شرح
يعبأ بهم ولا يهمّه أمرهم ، والا كان قادرا على أنّ يغنيهم ، أو يميتهم ويريحهم ممّا هم فيه من الجهد ، ومنهم من يرى أنّ هذا ليس يجري بعلم عالم وحكمة حكيم ، بل هو اتّفاق لا تدبير فيه ، ومنهم من يرى أنّ هذا من موجبات أحكام الفلك ، من غير قصد قاصد ولا صنع صانع ، نعوذ بالله من الاعتقادات الفاسدة والآراء الباطلة .
الرابعة :
قال بعض المشايخ : الفقراء على طبقات : فقراء الأغنياء ، وهم السائلون عند الفاقات القانعون بالكفايات ، وهم ظهرة الأغنياء والذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء نصيبا .
والطبقة الثانية : فقراء الفقراء ، وهم المتحقّقون بالفقر المختارون للفقر المؤثرون له على الغنى ، لا يتبذّلون في السؤال ولا يتعرّضون بالمقال ، يرجون العمر بالميسور من القوت ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف وهم بين محروم حرم السعي في الدنيا ، ومحارف انحرفت عنه الأسباب ، وقانع بما يصل إليه ، ومعترّ رضي بما يعتريه .
والطبقة الثالثة : أغنياء الفقراء ، وهم الأجواد الأسخياء أهل البذل والعطاء ، لا يستكثرون ولا يدّخرون ، وإن منعوا شكروا المانع فصار منعه عطاء ، وإن ضيّق عليهم حمدوا الواسع ، لأنّه هو المحمود فصار ضيقه رخاء ، وإن أعطوا بذلوا وآثروا .
وكان بشر الحافي يقول : الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل وإن أعطي لم يأخذ فهذا مع الروحانيّين ، وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهو مع المقرّبين في جنّات النعيم ، وفقير يسأل عند الفاقة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين ( 1 ) .
وحكي أنّه دفع إلى إبراهيم التميمي ستّون ألفا وكان عليه دين وبه حاجات إليها فردّها ، فعاتبوه في ذلك فقال : كرهت أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بستّين ألفا ( 2 ) .
هامش
( 1 ) آداب النفس : ج 2 ص 16 .
( 2 ) آداب النفس : ج 2 ص 16 .