تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
اللهُمَّ حَبِّبْ إليَّ صُحْبَةَ الفُقَراءِ ، وَأعِنّي على صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصبْرِ .
شرح
وقيل : معناه : أنّ الإنسان قد ينسى فضل الربّ وعنايته في حالة الاستغناء ، ويرى أنّ ما حصل له بسبب جهده وكدّه ، فينسب ذلك إلى كفايته لا إلى عناية الله ، ولم يدر أنّه كم من باذل وسعه في الحرص لم يحصل إلا على خفّي حنين ، وأنّه تعالى قد يرجع الغني آخر الأمر إلى حالة الفقر ، ليتحقّق أن ذلك الغنى لم يكن بفعله وكسبه ، بل بحول الله وقوّته . حبّب إليه الشيء : جعله محبوبا لديه ، ولمّا كان في التحبيب معنى إنهاء المحبّة وإيصالها إليه استعمل بكلمة « إلى » ، أي : ألهمني بلطفك محبّة صحبتهم أي : معاشرتهم والارتباط بهم . ولمّا كانت النفوس البشريّة مجبولة على بغض الفقر وكراهيّته ، نافرة من صحبة الفقراء ومعاشرتهم ، سأل عليه السّلام ربّه أن يحبّب إليه صحبتهم ، بأن يجعلها ملائمة لقلبه ليكون مائلا إليها ، إذ كانت المحبّة ميل القلب إلى ما يلائمه ، وذلك لما في صحبتهم من رياضة النفس وتحليتها بالتواضع والتذلَّل ، والتأسيّ بهم في القناعة باليسير من حطام الدنيا ، والرضا بالقليل من متاعها ، وصيانة النفس عن الانهماك في شهواتها ولذّاتها ، وترك طلب المنزلة والجاه والكرامة فيها ، وقلَّة الحرص على طلب الحاجات والأوطار منها ، وترك الخلطة مع أبناء الدنيا الراغبين فيها ، والتفرّد في الخلوات ، وكثرة ذكر الموت وفناء نعيم الدنيا وزوال ملكها ، والنظر إلى آثار القرون الماضية ، والاعتبار بها وبالمباني الخربة والمنازل الدارسة والمعالم العافية للأمم الخالية ، لنزولهم بها غالبا ، واعتباراتهم تصاريف الزمان ونوائب الحدثان ، واليقين بأمر المعاد ، وشدّة الشوق إلى نعيم دار القرار مع الأبرار ، من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، ولذلك أمر الله سبحانه حبيبه المختار من خيار خلقه ، بصبره نفسه معهم وحبسها على صحبتهم ومجالستهم ،
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 355 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني