بِالشَهادَةِ ، فَبَعْدَ أنْ يَجْتاحَ عَدُوَّكَ بِالقَتْلِ ، وَبَعْدَ أنْ يَجْهَدَ بِهِمُ الأسْرُ ، وَبَعْدَ أنْ تَأمَنَ أطْرافُ المُسْلِمينَ ، وَبَعْدَ أنْ يُوَلِّىَ عَدُوُّكَ مُدْبِرينَ .
شرح
رتّبنا وقابلنا صفوفنا بصفوفهم ، ومنه حديث : كان صلَّى الله عليه وآله مصافّ العدوّ ، أي : مقابلهم ( 1 ) .
وعدوّك وعدوّه أي : المشركين ، وصفهم أوّلا : بعداوة الله تعالى لإثباتهم الشرك به وإبطال كلمته ، وثانيا : بعداوة المسلم لإظهار عداوته وقصدهم لمحاربته وهلاكه ، كما قال تعالى : « تُرهِبونَ بِه عَدوَّ اللهِ وعدُوَّكُم » ( 2 ) .
وتقليلهم في عينه : بأن يراهم قليلا ، ليقوى قلبه على محاربتهم ولا يهابهم ، وإنّما يتصوّر ذلك بصدّ الله تعالى العين عن رؤية بعض دون بعض مع التساوي في الشروط ، لأنّ الرؤية وسائر الإدراكات بمحض خلق الله تعالى لا تجب عند تحقّق ما يجعله الفلاسفة شرطا ، ولا تمتنع عند فقد بعضها ، وقد فعل تعالى ذلك يوم بدر ، فقلَّل المشركين في أعين المسلمين تثبيطا لهم ، حتّى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه :
أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مائة ، قال : فأسرنا منهم رجلا فقلنا له : كم كنتم ؟ فقال : ألفا ( 3 ) .
وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليجترؤا عليهم ولا يستعدّوا لهم ، حتّى قال أبو جهل : إنّ محمّدا وأصحابه أكلة جزور ، وذلك حيث يقول عزّ من قائل في محكم كتابه : « وإذْ يُريكُموهم إذ التَقَيْتُم في أعْيُنِكُمْ قَلِيلا ، ويُقلِّلُكم في أعيُنِهم ليَقْضِيَ الله أمرا كان مفْعولا » ( 4 ) .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : بأيّ طريق يبصرون الكثير قليلا ؟ قلت :
بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقلَّون له الكثير ، كما أحدث في أعين الحول ما يرون له الواحد اثنين .
هامش
( 1 ) النهاية لابن الأثير : ج 3 ص 37 - 38 .
( 2 ) سورة الأنفال : الآية 60 .
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 22 .
( 4 ) سورة الأنفال : الآية 44 .