شرح
كفروا مِن أهلِ الكتابِ والمشركين » ( 1 ) ، والعطف يقتضي المغايرة .
وأجيب : بأنّ كفر الوثني أغلظ ، وهذا القدر يكفي في العطف ، أو لعلَّه خصّ أوّلا ثمّ عمّم ، وقد تواتر النقل عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله : أنّ كلّ من كان كافرا يسمّى مشركا ( 2 ) ، فظهر أنّ وقوع اسم المشرك عليهم إن لم يكن بحسب اللغة كان بحسب الشرع ، وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كلّ كافر تحت هذا الاسم .
والمراد بشغله تعالى المشركين بالمشركين : أن يخطر ببال كلّ أمّة منهم ما يوجب الوحشة والنفرة عن الأخرى ، إمّا بسبب أهوائهم المختلفة في الدين ، أو بسبب تنازع في أمور الدنيا ، فتهيج العداوة والقتال بينهم ، فيشتغل بعضهم ببعض عن تناول أطراف المسلمين .
والتناول في الأصل : أن يمدّ الإنسان يده إلى شيء فيأخذه ، يقال : ناولته الشيء فتناوله ، ثمّ استعمل في مطلق الأخذ والإقدار على الشيء وفي الاستيلاء عليه وفي الوصول إليه ، إذ كان كلّ ذلك من لوازم معناه الأصلي .
والأطراف : جمع طرف بفتحتين ، وهو يكون بمعنى الجانب والناحية ، ومنه :
« أوَلم يَروا أنّا نأتي الأرضَ نَنقصُها مِن أطرافِها » ( 3 ) .
أي نواحيها وجوانبها ، بأن نفتحها على المسلمين شيئا فشيئا ونلحقها بدار الإسلام ، ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء .
ويكون بمعنى الطائفة من الشيء ومنه : « ليقطعَ طرَفا مِن الذينَ كفروا » ( 4 ) أي : طائفة منهم بقتل وأسر . وكلّ من المعنيين محتمل في عبارة الدعاء .
فإن حمل على المعنى الأوّل فهو على حذف مضاف ، أي : أطراف أرض
هامش
( 1 ) سورة البينة : الآية 1 .
( 2 ) لمن نعثر عليه .
( 3 ) سورة الرعد : الآية 41 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 127 .