شرح
وأذهبته ، أي : اغز كلّ ناحية أي : ابعثها للغزو ، يقال : أغزى الأمير الجيش : إذا بعثه للغزو .
وفي إيثاره تعدية غزا بالباء دون الهمزة نكتة لطيفة ، وهي ملاحظة ما في الباء من معنى المصاحبة ، المقصود بها هنا كمال الحفظ والتوفيق والإمداد والنصرة ، كما كان المقصود بالمعيّة ذلك في قوله تعالى : « إذ يُوحي ربُّكَ إلى الملائكةِ أنّي معكُم فثَبِّتوا الَّذين آمنوا » ( 1 ) ، وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السّلام : « لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى » ( 2 ) ، ومن ثمّ ذهب المبرد ( 3 ) والسهيلي ( 4 ) والزمخشري إلى أنّ بين أذهبه وذهب به فرقا ، فمعنى أذهبه : أزاله وجعله ذاهبا ، ومعنى ذهب به :
استصحبه ومضى به ( 5 ) .
وقال صاحب المثل السائر : كلّ من ذهب بشيء فقد أذهبه ، وليس كلّ من أذهب شيئا فقد ذهب به ، إذ يفهم منه أنّه استصحبه وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى ، ولا كذلك أذهبه فهما ، وإن اشتركا في معنى التعدية ، فلا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنيي الهمزة والباء الأصليّين ، أعني الإزالة والمصاحبة والإلصاق ( 6 ) ، انتهى .
هو صريح فيما ذكرناه .
والناحية : الجانب ، فاعلة بمعنى مفعولة ، لأنّها تنحى أي : تقصد ، من النحو بمعنى : القصد .
والمعنى على تقدير مضاف محذوف ، أي : اغز بأهل كلّ ناحية ، فهو من مجاز الحذف .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : الآية 12 .
( 2 ) سور طه : الآية 46 .
( 3 ) مغني اللبيب : ص 138 .
( 4 ) تاج العروس : ج 1 ص 257 .
( 5 ) أساس البلاغة : ص 210 .
( 6 ) لم نعثر عليه .