شرح
والمساكن : جمع مسكن بفتح الكاف وكسرها ، وهو البيت .
والخلد بالضمّ والخلود : البقاء والدوام من وقت مبتدأ ، ولذلك لا يقال لله تعالى : خالد ، وقيل : هو في الأصل : الثبات دام أو لم يدم ، ولو كان وضعه للدوام لما قيّد في التأبيد في قوله عزّ قائلا : « خالِدينَ فيها أبَدا » ( 1 ) ، ولما استعمل حيث لا دوام فيه فقالوا : حبسه حبسا مخلَّدا .
وقال النظام النيسابوري : الخلد عند المعتزلة : الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع ، بدليل قوله تعالى : « وما جَعلنا لِبَشرٍ مِن قَبلِك الخُلد » ( 2 ) ، نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم « ومِنْكُم مَن يُردُّ إلى أرْذلِ العُمُر » ( 3 ) ، وعند الأشاعرة الخلد : هو الثبات الطويل دام أو لم يدم ، ولو كان التأبيد داخلا في مفهومه كان قوله تعالى : « خالدين فيها أبدا » ( 4 ) تكرارا ( 5 ) ، انتهى .
ويتفرّع على هذا الخلاف دوام وعيد المرتكب الكبيرة إذا مات بلا توبة ، حيث وقع مقيّدا بالخلود ، كما في قوله تعالى : « وَمَنْ يَقتُل مُؤمنًا مُتَعمّدا فَجَزاؤه جَهنّم خالِدا فيها » ( 6 ) .
وعلى كلّ تقدير فالمراد بالخلد هنا : الدوام قطعا ، لما يشهد له من الآيات والسنن ، أي : مساكن البقاء والدوام التي لا يعتريها ولا يعتري سكّانها فناء ولا تغيّر ، فإضافة المساكن إلى الخلد للمدح لا للتوضيح ، إذ من المعلوم أنّ مساكن الجنّة لا فناء فيها .
واعلم أنّ معظم اللذّات الحسّية لمّا كان مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقضي به الاستقراء ، وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات ، إذ
هامش
( 1 ) سورة الطلاق : الآية 11 .
( 2 ) سورة الأنبياء : الآية 34 .
( 3 ) سورة النحل : الآية 70 .
( 4 ) سورة الطلاق : الآية 11 .
( 5 ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج 1 ص 72 .
( 6 ) سورة النساء : الآية 93 .