شرح
يعرف وجوده وجنسه وعلَّته وكيفيّته ، ولهذا يقال : الله عالم بكذا ولا يقال : عارف ، لما كان العرفان يستعمل في العلم القاصر .
وأيضا فالمعرفة تقال فيما يتوصّل إليه بتفكّر وتدبّر ، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره . وفرّق بينهما بفروق أخرى تقدّم بعضها ، وأهل اللغة وبعض أهل الأصول والميزان على أنّهما مترادفان .
وقوله عليه السّلام : « ما يجهلون » أي : ما يجهلونه فحذف العائد ، والمراد به ما كان الجهل به بسيطا ، وهو عدم العلم عمّا من شأنه أن يكون معلوما ، أو مركبّا وهو الاعتقاد الجازم غير المطابق للواقع .
وبصّره الشيء تبصيرا : عرّفه وعلَّمه إيّاه ، وجعله ذا بصيرة به أي : ذا علم وخبرة به .
وقوله : « ما لا يبصرون » من بصر القلب أيضا أي : ما لا يعلمون ، خلافا لمن خصّ الإبصار برؤية العين ، فقال : أبصرته : برؤية العين ، وبصرت به بالضمّ بصرا بفتحتين : برؤية القلب ، فقد فسّر الزمخشري وغيره قوله تعالى : « أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون » ببصر القلب ، فقال : أي : تعلمون أنّها فاحشة لم تسبقوا إليها ( 1 ) .
هذا ولمّا كان للمرابط والمجاهد مزيد افتقار إلى المعرفة بأنواع القتال ، وأن يحيط علمه خبرا بالمكان الذي يرابط فيه ، ويعرف المدارج المخوفة التي يرتادها المغتالون ، وما يحيط بالثغر من سهل وجبل ، وأن يكون ذا بصيرة بمكائد العدوّ ومكامنه ليحذر من بغتته ، ألحف عليه السّلام في السؤال لهم بتعريفهم ما يجهلون وتعليمهم ما لا يعلمون وتبصيرهم مالا يبصرون والله أعلم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 3 ص 374 .