شرح
والغيب : مصدر بمعنى الغيبة . والباء : للملابسة ، متعلَّقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل ، كما في قوله تعالى : « الَّذينَ يَخشَونَ رَبّهم بالغَيبِ » ( 1 ) ، وقوله تعالى :
« إنّي لَم أَخُنه بالغَيب » ( 2 ) ، أي : أخفي وأكتم لهم المودّة ملتبسا بالغيب عنهم أي :
غائبا عنهم ، لا كالمنافق الذي إذا لقي أصحابه أظهر لهم المودّة ، وإذا غاب عنهم لم يكن في سرّه شيء منها .
ويحتمل أن يكون المراد بالغيب القلب لأنّه مستور ، كما فسّر به بعضهم قوله تعالى : « يُؤْمِنون بالغَيبِ » ( 3 ) أي : يؤمنون بقلوبهم .
والمعنى : اسرّ لهم بقلبي مودّة ، لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم .
ويحتمل أن يكون اللام من قوله « لهم » بمعنى إليهم ، كقوله تعالى : « بأنّ رَبّكَ أوحى لها » ( 4 ) أي : إليها .
وقوله « بالغيب » مفعولا لأسرّ ، والباء فيه زائدة للتأكيد ، مثل أخذت الخطام وأخذت به ، ومنه قوله تعالى : « تَسُرُّونَ إليهم بِالمودّةِ » ( 5 ) على القول بأنّ المودّة مفعوله ، ويكون معنى الغيب ما غاب عنهم علمه من أحوالهم وأمورهم الدينيّة والدنيويّة التي في إسراره إليهم صلاحهم ، ويكون انتصاب مودّة على المصدريّة أو المفعول لأجله ، كما مرّ في نظائره ، أي : إسرار مودّة أو لأجل المودّة .
ويرجّح هذا الاحتمال كون الفقرات كلَّها على نسق واحد في التركيب والنظم ، وإن كان المعنيان الأوّلان أظهر بحسب دلالة الألفاظ ، والله أعلم بمقاصد أوليائه .
وقد كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه والأئمة من ولده عليهم السّلام ، يسرّون
هامش
( 1 ) سورة فاطر : الآية 18 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 52 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 3 .
( 4 ) سورة الزلزلة : الآية 5 .
( 5 ) سورة الممتحنة : الآية 1 .