شرح
المتأخرين ومن لا يوثق بعربيته ، والله يقول الحقّ ويهدي السّبيل .
ومعنى استعمال حسن الظنّ في كافّتهم : حمل أمورهم جميعا أقوالا كانت أو أفعالا على ما يصحّ ويحسن شرعا وعرفا ما أمكن الحمل عليه ، عملا بحسن الظنّ فيهم .
وقد بيّن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في كلام له ، فقال : ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلبك منه ، ولا تظنّ بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجدلها في الخير محملا ( 1 ) .
قال بعض علمائنا في شرحه لهذا الكلام : أي : احمل أمر أخيك قولا كان أو فعلا على أحسنه ، وإن كان مرجوحا وكان خلافه راجحا مظنونا من غير تجسّس ، حتى يأتيك اليقين على خلافه ، فإنّ الظنّ قد يغلط والتجسّس منهيّ عنه ، كما قال الله تعالى : « إنّ بعض الظنّ إثم » ( 2 ) ، وقال : « لا تجسّسوا » ( 3 ) .
ثمّ قال العلماء : أفعال المؤمنين محمولة على الصحّة ، ثمّ نهى - تأكيدا لما مرّ - عن حمل كلامه على الشرّ إن كان محتملا للخير وإن كان بعيدا جدّا ، بقوله :
ولا تظنّ بكلمة خرجت من أخيك سوء إلى آخره ، فإذا خرجت منه كلمة ذات وجهين وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير ، وإن كان معنى مجازيّا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوها ، ومن هذا القبيل ما سمّاه علماء العربيّة أسلوب الحكيم .
كما قال الحجّاج للقبعثري متوعدا له : لأحملنّك على الأدهم ، فقال القبعثري :
مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ، فأبرز وعيده في معرض الوعد ، ثمّ قال الحجّاج ، للتصريح بمقصوده : إنّه حديد ، فقال القبعثري : لئن يكون حديدا خير من
هامش
( 1 ) تفسير البرهان : ج 4 ، ص 209 ، ح 3 ، والكافي : ج 2 ، ص 362 ، ح 3 .
( 2 ) و ( 3 ) سورة الحجرات : الآية 12 .