تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
شرح
فقوله عليه السّلام : « التاركين لكلّ معصيتك » لا يجوز أن يكون بمعنى الكافّين عنها بعد ارتكابها والمفارقين لها بعد مواصلتها ، كما يقتضيه معنى الترك ، إذ لا يتصوّر ارتكاب أحد كلّ معصية ، بل معناه غير الفاعلين لشيء من المعاصي ، وهذا المعنى للترك شائع في الاستعمال أيضا . قال أمين الدين الطبرسي : الترك : ضدّ الأخذ ، ينافي الفعل المبتدأ في محلّ القدرة عليه ، ويستعمل بمعنى أن لا يفعل ، كقوله تعالى : « وتركهم في ظلمات » معناه لم يفعل الله لهم النور ( 1 ) . فإن قلت قد تقرّر في علم البيان أنّ كلا إذ وقعت خبر النفي كان النفي موجّها إلى الشمول خاصّة ، وأفاد بمفهومه الثبوت لبعض الافراد ، كقولك : لم آخذ كلّ الدراهم ، فيلزم على هذا أن يكون معنى التاركين لكلّ معصيتك ، التاركين لمجموعها مع ارتكابهم لبعض أفرادها ، كما أن قولك : لم آخذ كلّ الدراهم يفيد ثبوت الأخذ لبعضها ، وهذا المعنى غير مراد هنا قطعا بل المراد ترك كلّ فرد من المعصية . قلت : الحقّ أن هذا الحكم أكثري لا كلَّي ، كما نصّ عليه سعد التفتازاني في شرح التلخيص ، قال : لأنّا نجده حيث لا يصلح أن يتعلَّق الفعل ببعض ، كقوله تعالى : « واللهُ لا يُحبّ كُلَّ مختالٍ فَخور » ( 2 ) ، « واللهُ لا يُحبُّ كُلّ كَفّارٍ أثيم » ( 3 ) ، « ولا تُطِع كُلّ حَلافٍ مَهين » ( 4 ) و ( 5 ) . وأجاب بعضهم : بأنّ دلالة المفهوم إنّما يعوّل عليها عند عدم المعارض ، وهو هنا موجود ، إذ دلّ الدليل على تحريم الاختيال والفخر والكفر والحلف .
هامش
( 1 ) راجع مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 55 ذيل الآية 17 من سورة البقرة . ( 2 ) سورة الحديد : الآية 23 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 276 . ( 4 ) سورة القلم : الآية 10 . ( 5 ) شرح التلخيص : ج 1 ص 109 .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 140 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني