شرح
نفسه ألم ما يكرهه ، لاستغراق قلبه في محبّته تعالى وغفلته عن نفسه فضلا عن الأمور الموافقة أو المخالفة لها ، كما أنّ المجاهد لتوغَّله في الجهاد قد لا يجد ألم الجراح .
وبالجملة : هو أمر ممكن إلا أنّه صعب نادر .
الثاني :
الرضا بالشيء لا ينافي الدعاء لرفعه ، خلافا لطائفة من المتصوّفة المبتدعة حيث قالوا : إنّ شرط الرضا ترك الدعاء لرفع البلاء وطلب النعماء ، لأن طلب رفع أمر وارد منه تعالى وحصول غيره ينافي الرضا بما حكم به . وهؤلاء في طرف الإفراط ، كما أنّ الجماعة الأولى في طرف طلب التفريط .
وأجيب عنه أوّلا : بالنقض ، وهو أنّ دعاء الأنبياء والأوصياء وحثّهم عليه أمر مشهور ، وفي الكتب السماويّة وغيرها مسطور مذكور لا ينكره أحد من أهل الإسلام .
وثانيا : بالمنع ، لأنّا لا نسلَّم أنّ الطلب المذكور ينافي الرضا ، وإنّما المنافي له استكراه النفس للواردات من عند الله تعالى ، والطلب لا يستلزم الاستكراه .
وثالثا : بالحلّ ، وهو أنّ الدعاء عبادة أمر الله تعالى بها غير مرّة ، لتضمّنها انكسار القلب وتواضعه وخشوعه ، ومخالفة أمر الله تعالى تنافي الرضا ، وسيأتي تمام الكلام على الرضا في محلَّه إن شاء الله تعالى .
قوله عليه السلام : « اهدني للتي هي أقوم » أي : للحالة أو الخصلة أو الطريقة أو الحكمة التي هي أقوم الحالات أو الخصال أو الطرائق أو الحكم ، أي : أعدلها وأكثرها استقامة من قام الأمر واستقام بمعنى اعتدل . وفي حذف الموصوف فخامة وبلاغة لا توجد مع الإثبات ، لما في إبهام الموصوف بخلافه من التعميم وذهب الوهم كلّ مذهب وذلك مفقود مع إيضاحه ، وهو اقتباس من قوله تعالى : « إِنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي للَّتي هِيَ أَقْوَمُ » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 9 .