اللهُمَّ فَكَما كَرَّهْتَ إِليّ أنْ اظْلَمَ فَقِني مِنْ أنْ اظْلِمَ .
اللهُمَّ لا أَشْكُوا إِلى أحَدٍ سِواكَ ، وَلا اسْتَعينُ بِحاكِمٍ غَيْرِكَ حاشاكَ .
شرح
كرّه الشيء إليه تكريها : أي مكروها ، من كرهه ضدّ أحبّه ، ولمّا كان في التكريه معنى إنهاء الكراهة وإيصالها إليه استعملها بكلمة إلى .
والرواية المشهورة ببناء أظلم الأوّل للمفعول والثاني للفاعل ، أي : كما بغّضت إليّ أن يظلمني أحد فاحفظني من أن أظلم أحدا ، وفي رواية بالعكس ، والمعنى ظاهر .
حصر عليه السلام شكواه إليه تعالى واستعانته به ، استنزالا لرحمته سبحانه بالالتجاء بمقام الصبر ، الذي هو ترك الشكوى إلى الخلق والاستعانة بهم ، ودفعا لتوهّم السامعين منافاة دعائه على ظالمه للصبر المحمود من مثله ، فإنّ الشكوى إلى الله تعالى والاستعانة به دون أحد من الخلق هو عين الصبر على البلوى حتّى يأذن الله بإزالة الشكوى .
وهذا كما حكى الله تعالى عن يعقوب عليه السلام حين قالوا له : « تَاللهِ تَفْتؤا تَذكُرُ يُوسُف حتّى تكُون حَرَضا أوْ تكُونَ مِن الهالِكين * قالَ إنّما أشكُو بَثِّي وحُزْني إلى الله » ( 1 ) ، فإنّهم لمّا قالوا له عجبا من دعواك الصبر ، وأنت لا تزال تذكر يوسف سرّا وعلانيّة حتّى تكون دنف الجسم مخبول العقل أو تكون ميّتا من الهالكين ، قال : هذا الحزن والذكر لا ينافيان الصبر ، لأنّه ترك الشكوى إلى الخلق ، وأنا لا أشكو إلى الخلق وإنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله ، ليزيل عنّي الشكوى ويرحمني .
وقوله : « حاشاك » : أي سبحانك ، أي : أنزّهك تنزيها لائقا بك عن أن أستعين بحاكم غيرك ، وقد مرّ نظير ذلك في الدعاء الثاني عشر ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سورة يوسف : الآية 85 و 86 .
( 2 ) : ج 2 ص 483 .