شرح
قلت : هو إمّا بناء على القول بأن ما تستعمل للعقلاء كما تستعمل لغيرهم ، نحو : ما سمع ، سبحان ما سخّر كنّ ، سبحان ما سبح الرعد بحمده ، « والسّماء وما بناها » ( 1 ) الآية .
وإمّا بناء على ما عليه جماعة من المحقّقين ، من أنّ التفرقة بين من وما في اختصاص الأولى بذوي العلم ، واختصاص الثانية أو غلبتها في غيرهم ، إنّما هي إذا أريد الذات . أمّا إذا أريد الوصف ، كما تقول في الاستفهاميّة : ما زيد ؟ أي : أفاضل أم كريم ؟ ، وفي الموصولة : أكرم ما شئت من هؤلاء الرجال أي : القائم أو القاعد ، أو نحو ذلك ، فهو بكلمة « ما » دون « من » بحكم الوضع ، على ما ذكره الزمخشري والسكّاكي وغيرهما ، وإن أنكره قوم .
ومن ثمّ قال في الكشّاف في تفسير قوله تعالى : « فَانكِحُوا ما طَابَ لَكُم مِن النِّساء » ( 2 ) : وقيل : « ما » ذهابا إلى الصفة ( 3 ) . فأشار بقوله « ذهابا إلى الصفة » إلى أنّ المراد فانكحوا الموصوفة بأيّ صفة شئتم ، من البكر والثيّب والشابّة والجميلة والنسيبة وأضداد ذلك ، إلى غير ذلك من الأوصاف . إذا عرفت ذلك فقوله :
« وعجزا عمّا يناويه » أراد به معنى الوصفيّة ، أي : عجزا عن الموصوف بأيّ صفة كانت يريد مناواته وعداوته ، من صغير وكبير وشريف ووضيع وبعيد وقريب ، إلى غير ذلك .
ويحتمل أن يكون معنى يناويه : يحاوله ويطلبه ، من نويت الشيء إذا جدّيت في طلبه ، ومنه ما ورد في الحديث : من ينو الدنيا تعجزه ( 4 ) .
قال الزركشي : أي من يسع لها يخب ، من نويت الشيء إذا جدّيت في
هامش
( 1 ) سورة الشمس : الآية 5 .
( 2 ) سوره النساء : الآية 3 .
( 3 ) الكشاف : ج 1 ، ص 467 .
( 4 ) النهاية لابن الأثير : ج 5 ، ص 132 .