فَبِفَضْلِكَ اللهُمَّ فَأغْنِني ، وَبِعَظَمَتِكَ فانْعشني ، وَبِسَعَتِكَ فَابْسُطْ يَدي ، وَبِما عِنْدَكَ فَاكْفِني .
شرح
روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده إلى ابن أبي يعفور ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول وهو رافع يده إلى السماء : ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ، قال : فما كان بأسرع من أن تحدر الدموع من جوانب لحيته ، ثمّ أقبل عليّ فقال : يا ابن أبي يعفور إنّ يونس بن متّى وكله الله عزّ وجلّ إلى نفسه أقلّ من طرفة عين فأحدث ذلك الذنب ، فقلت : فبلغ به كفرا أصلحك الله ؟ قال : لا ، ولكنّ الموت على تلك الحال هلاك ( 1 ) انتهى .
وإن وكله إلى غير نفسه من أجنبيّ استثقله وعبس في وجهه ، أو قريب فإمّا أن يمنعه معروفه كالأجنبيّ ، أو تعطفه عليه للقرابة فيمنحه قليلا حقيرا ، أو يمنّ عليه طويلا ويذمّه كثيرا وذلك لما جبلت عليه الأنفس من الشحّ والبخل ، لأنّ الشحّ غريزة في النفس مقتضية للحرص على المنع وحبّ المال وبغض الإنفاق ولذلك قال تعالى : « ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فأولئك هُم المفلحون » ( 2 ) .
الفاء : فصيحة ، أي : إذا كان الأمر كذلك فبفضلك أي : بإحسانك لا بغيره فأغنني .
والباء : متعلَّقة بأغنني ، وأصل الكلام أغنني بفضلك ، ثمّ قدّم الجارّ والمجرور على الفعل لإفادة القصر ، ثمّ ادخل عليه الفاء لإفادة ، معنى السببيّة فصار بفضلك فأغنني ، والمعنى : أنّ إغنائي ينبغي أن يكون مسبّبا عن فضلك ولازما له ، وقس عليه ما بعده ، وإنّما جاز عمل ما بعد الفاء فيما قبلها هنا مع أنّها للسببيّة ، وهو ممتنع في غير هذا الموضع لوقوعها في غير موقعها فهي كالزائدة .
وقول بعضهم إنّ « بفضلك » متعلَّق بمحذوف ، أي : عاملني بفضلك فأغنني ،
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 581 ج 15 .
( 2 ) سورة الحشر : الآية 9 .