تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
شرح
وقد عقد الراغب في كتاب الذريعة بابا للحثّ على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار ، فقال : حقّ الإنسان أن يتحرّى بغاية جهده مصاحبة الأخيار فهي قد تجعل الشرّير خيّرا ، كما أنّ مصاحبة الأشرار قد تجعل الخيّر شرّيرا قال بعض الحكماء : من صحب خيّرا أصابته بركته ، فجليس أولياء الله لا يشقى وإن كان كلبا ، ككلب أصحاب الكهف حيث قال تعالى : « وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد » ولهذا أوصت الحكماء بمنع الأحداث من مجالسة السفهاء وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : لا تصحب الفاجر فيزيّن لك فعله ويودّ لو انّك مثله . وقيل : جالسوا من يذكّركم الله رؤيته ، ويزيدكم من خير نطقه . وقالوا : إيّاك ومجالسة الأشرار فإنّ طبعك يسرق من طبعهم وأنت لا تدري ، بل قد قال النبيّ صلَّى الله عليه وآله : مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لم يحدك من عطره يعلقك من ريحه ، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بناره يؤذك بدخانه ، وقال عليه الصّلاة والسّلام : المرء على دين خليله ، فلينظر امرئ من يخالّ ، أي : يجذبه خليله إلى دينه . ومن قوّة هذا المعنى في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكلّ قرين بالمقارن يقتدي وليس أعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه ، فالنظر إلى الصور يؤثر في النفوس أخلاقا مناسبة لخلق المنظور فإنّ من دامت رؤيته لمسرور سرّ أو لمحزون حزن ، وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوانات والنبات ، فالجمل الصعب قد يصير ذلولا بمقارنة الجمال الذلل ، والذلول قد يصعب بمقارنة الصعاب ، والريحانة الغضّة تذبل لمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أصحاب الفلاحة الرمم عن الزروع لئلا تفسدها ، ومعروف أنّ الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة إذا قربت منهما ، وذلك ممّا لا ينكره ذو تجربة ، وإذا كانت هذه الأشياء قد بلغت من قبول التأثير هذا المبلغ فما الظنّ بالنفوس البشريّة التي موضوعها لقبول صور الأشياء