تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
وَاجْعَلْ تَقْواكَ مِنَ الدُنْيا زاديْ ، وَإلى رَحْمَتِكَ رِحْلَتي ، وَفي مَرضاتِكَ مَدْخَلي ، وَاجْعَلْ في جَنَّتِكَ مثوايَ ، وَهَبْ لي قُوَّةً أحْتَمِلُ بِها جَميعَ مَرْضاتِكَ ، وَاجْعَلْ فِرارِيَ إلَيْكَ ، وَرَغْبَتي فيما عِنْدَك .
شرح
التقوى في اللغة : بمعنى الاتّقاء ، وهو اتّخاذ الوقاية من المحذورات ، وتاؤها منقلبة عن واو . وعند أهل الحقيقة : هي الاحتراز بطاعة الله عن عقوبته . وقيل : هي وقاية النفس عمّا يضرّ في الآخرة من اعتقاد وعمل وخلق ، وقد سبق الكلام عليها مبسوطا . والزاد : الطعام الذي يتّخذّ للسفر ، ولمّا كان الزاد إنما يعدّ لتقوى به الطبيعة على الحركات الحسّية ، وكانت تقوى الله تعالى ممّا تقوى به النفس على الوصول إلى جنابه المقدّس ، استعار لها لفظ الزاد ، لما بين المعنيين من تمام المشابهة الذي يقرب معه اتّحاد المتشابهين ، وبحسب قوّة المشابهة يكون حسن الاستعارة ، وقد نطق التنزيل المجيد بهذه الاستعارة ، حيث قال سبحانه : « وتَزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التَقوى » ( 1 ) . قال بعض العارفين : ليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا ، وهذا لا بدّ له من زاد ، فكذا ذلك بل يزداد فإنّ زاد الدنيا يخلَّصك عن عذاب منقطع موهوم ، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم ، زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور ، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور ، زاد الدنيا سبب حظوظ النفس ، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس . إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * وأبصرت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا ( 2 )
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 197 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن : ج 2 ص 412 .