تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
شرح
قوله عليه السّلام : « واشغل بطاعتك نفسي » إلى آخره ، سأل عليه السّلام أن يجعل سبحانه نفسه مستغرقة في طاعته تعالى ، متوجّهة بكليّتها عن كلّ ما يوجب الالتفات عن حضرته المقدّسة ، من الاهتمام بعلائق أحوال الدنيا الواردة عليه من خير وشرّ ليكون هواه وإرادته فيما أراده الله تعالى وقدّره وقضاه ، فلا يحبّ إلا ما أحبّه الله ، ولا يسخط إلا ما سخط الله ، وهو مقام الرضا بالقضاء . ووجه كون شغل النفس بالطاعة عن كلّ وارد عليها علَّة وسببا للرضا والتسليم : أنّ النفس إذا كانت مستغرقة في طاعته سبحانه ، معرضة عن الالتفات إلى غيره ، حصل لها الزهد الحقيقي في الدنيا ، فيقرب من الحقّ فتحصل له مرتبة اليقين بالله وبكماله وحسن فعاله ، واليقين يوجب المحبّة فيحصل له الرضا ، لأنّ الرضا لازم للمحبّة وتابع لها . وبالجملة : السالك إذا اشتغل بما يعنيه وترك مالا يعنيه حقيقة ، وصل إلى مقام المشاهدة الذي هو عين اليقين ، وإذا وصل إلى هذا المقام استولت على قلبه المحبّة التامّة ، وإذا حصلت له المحبّة ثبت في مقام الرضا ، فيرضى بكلّ ما صدر ويصدر منه تعالى ، كما هو شأن المحبّ مع محبوبه ، فلا يحبّ شيئا ممّا سخطه ، ولا يسخط شيئا ممّا أحبّه ، بل يستقبل أحكامه بالفرح ، ولا يكون لنفسه معها مقترح ، وأهل الرضا يرون من الرضا أن لا يذمّ شيئا ولا يعيبه ، ولا يتسخّط ما أراده وفجّر موادّه ، ولا يزري على ما أبدعه وخلقه وصنعه ، بل يشاهد الصانع في جميع ما صنعه ، بل لا ينبغي أن يقول العبد : هذا يوم شديد الحرّ ، ولا هذا يوم شديد البرد ، ولا يقول : الفقر بلاء ومحنة ، ولا العيال همّ وتعب ، والاحتراق كدّ ونصب ، ولا يعقد بقلبه من ذلك مالا يفوه بلسانه ، بل يرضى القلب ويسلَّم اللسان ، وتطيب الروح وتسكن النفس ، ويستسلم الفعل بوجود حلاوة القضاء والتقدير ، واستحسان محكم التدبير . قال أنس بن مالك : خدمت النبيّ صلَّى الله عليه وآله عشر سنين ، ما قال
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 476 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني