تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
شرح
قوله عليه السّلام : « وبيدك جميع ذلك السبب » أي : في قدرتك وتصرّفك . وذلك : إشارة إلى ما تقدّم ذكره من الإجارة والأمان والإعانة . والسبب : اسم لما يتوصّل به إلى المقصد ، وهو عطف بيان لذلك ، ولمّا كان المشار إليه من الأمور المذكورة أسبابا يتوصّل بها إلى النجاة من سخطه تعالى ، بيّنه بعطف السبب عليه إيضاحا له ، كقوله تعالى : « ذلك الكتابُ » ( 1 ) في بعض الوجوه . وقوله : « وإليك المفر والمهرب » أي : إليك الفرار والهرب ، وهما مصدران ميميّان بمعنى ، وعطف الثاني على الأوّل من عطف الشيء على مرادفه ، نحو : « عوجا ولا أمْتا » ( 2 ) ، وفائدته التأكيد لأنّ ذكر الشيء مرّتين يفيد التأكيد . قال بعض العارفين : اعلم أنّ فرار العبد إلى الله تعالى على مراتب : فأوّلها : الفرار من بعض آثاره إلى بعض ، كالفرار من أثر غضبه إلى أثر رحمته ، كما قال تعالى حكاية عن المؤمنين في التضرّع إليه : « ربَّنا ولا تُحمِّلنا ما لا طاقةَ لَنا به واعفُ عنّا واغْفِر لَنا وارْحَمنا » ( 3 ) الآية ، فكأنّهم لم يروا إلا الله تعالى وأفعاله ، ففرّوا من بعضها إلى بعض . الثانية : أن يفنى العبد عن مشاهدة ( 4 ) الأفعال ، ويترقّى في درجات القرب والمعرفة إلى مصادر الأفعال وهي الصفات ، فيفرّ من بعضها إلى بعض ، كما ورد عن زين العابدين عليه السّلام : « اللهم اجعلني أسوة من قد أنهضته بتجاوزك عن مصارع المجرمين فأصبح طليق عفوك من أسر سخطك » ( 5 ) . والسخط والعفو صفتان ، فاستعاذ بإحداهما من الأخرى . الثالثة : أن يترقّى عن مقام الصفات إلى ملاحظة الذات ، فيفرّ منها إليها ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 2 . ( 2 ) سورة طه : الآية 107 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 286 . ( 4 ) ( ج ) بمشاهدة . ( 5 ) راجع الروضة التاسعة والثلاثين .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 455 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني