شرح
وفيه شاهد لمن أجاز استثناء شيئين من شيئين بأداة واحدة بلا عطف مطلقا ، سواء كان المستثنى منهما مذكورين أو مقدّرين ، ومثله في التنزيل « وما نَراكَ اتّبعكَ إلا الَّذينَ هُم أراذِلُنا باديَ الرأي » ( 1 ) ، إذ التقدير : وما نراك اتّبعك أحد في حالة إلا أراذلنا في بادي الرأي .
وقال المانعون : المستثنى إنّما هو الأوّل ، والثاني معمول لمحذوف ، والتقدير في الآية : اتّبعوك في بادي الرأي . وعلى هذا فالظرف في الدعاء متعلَّق بمحذوف ، والتقدير : لا يجير إلا ربّ يجير على مربوب .
وقال بعضهم : إنّ الظرف يتّسع فيه ، فيجوز فيه مالا يجوز في غيره ، فجاز تعلَّقه بما قبل إلا ، وإن لم يجز عمل ما قبلها إذا تمّ فيما بعدها في غير الظرف .
وممّا لا يكاد يقضى منه العجب قول بعض الشارحين المترجمين هنا : إنّ قوله :
« على مربوب » متعلَّق بقادر مقدّر ونحوه لأنّ تعدية أجار ب ( على ) غير مذكور في كتب اللغة ، انتهى .
وكأنّه لم يسمع قوله تعالى : « قُلْ من بيدهِ ملكوتُ كُلِّ شئٍ وهو يجيرُ ولا يجارُ عليه إنّ كنتم تعلمونَ » ( 2 ) . نسأل الله الهداية إلى سواء السبيل .
قال بعض أكابر السادة : معنى قوله عليه السّلام : « لا يجير يا إلهي إلا ربّ على مربوب » أنّه لا يمضي ولا ينفذ إلا إجارة ربّ على مربوب ، فإذا أجار ربٌ أحدا وخفره فلا يكون لمربوب من مربوبيه أن ينقض ( 3 ) عليه خفارته وأمانه .
ومنه الحديث : ويجير عليهم أدناهم ( 4 ) ، أي : إذا أجار أدنى رجل من المسلمين كافرا وآمنه ، جاز ذلك على جميع المسلمين لا ينقص ( 5 ) أحد عليه جواره .
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية 27 .
( 2 ) سورة المؤمنون : الآية 88 .
( 3 ) ( ج ) ينقص .
( 4 ) النهاية لابن الأثير : ج 1 ص 313 .
( 5 ) ( ج ) : ينتقص .