شرح
قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس ( 1 ) .
الرابعة : ورع الصدّيقين ، وهو ترك ما لا يراد بتناوله القوّة على طاعة الله أو يلمّ بصاحبه بعض خواطر المعصية .
كما يحكى أن ذا النون المصري كان محبوسا ، فكان تبعث إليه امرأة صالحة بطعام تشتريه بغزلها ، فكان يقاسي الجوع ولا يتناوله منه ، ويقول : إنّه جاء على طبق حرام ، يريد يد السجّان ( 2 ) .
ولم يكن بشر الحافي يشرب من الأنهار الكبار التي تحتفرها السلاطين ، لأنّها حفرت بغير أجرة أو بأجرة دفعت من مال حرام ( 3 ) وقوله عليه السلام : « في إجمال » أي : في رفق واقتصاد ، من أجمل في الطلب : إذا رفق واقتصد ولم يفرط .
والمراد : ورعا غير خارج عن الاقتصاد إلى حدّ الإفراط ، فيخرج عن حقيقة الورع .
ولهذا قال بعض أهل التحقيق ( 4 ) : قد يشتبه الورع بالوسواس ، وذلك كمن كان له ثوبان ، أحدهما لم تلحقه نجاسة ، والآخر لحقته فغسله ، فيترك الصلاة في المغسول لأنّه مسّته نجاسة ( 5 ) وكمن قبّل أحد يده فيغسلها ، ويقول : إنّ الخروج من ( 6 ) عهدة التكليف يتوقّف على غسلها ، لأنّ من الجائز أن يكون من مسّها نجسا .
هامش
( 1 ) نهج الفصاحة : ص 525 ، الجامع الصغير : ج 2 ص 204 ، سنن
ابن ماجة : ج 2 ص 1409 ح 5 / 42 ، مع اختلاف يسير فيها .
( 2 ) و ( 3 ) إحياء علوم الدين : ج 2 ص 97 ، المحجة البيضاء : ج 3 ص 216 .
( 4 ) راجع إحياء علوم الدين : ج 2 ص 112 - 113 .
( 5 ) لم نعثر عليه .
( 6 ) ( ج ) : عن .