شرح
والليل في القيام ، ويقضي بين الناس من مطلع الفلق إلى مغرب ( 1 ) الشفق ، سوى ساعة يقيلها عند قائمة الهواجر والتهاب وقدة الظهائر ، فجاءه الشيطان في صورة شيخ ضعيف في وقت قائلته ، وفاوضه في ذكر ظلامته وأطال حتّى فاتته القائلة ، فقام ذو الكفل وقال : إنّي متوضّئ لصلاتي وعائد إلى مجلسي فأحضر خصمك لأعديك عليه وآخذ بحقّك منه ، فلم يره يومه فبات واجما له ليله ، وأصبح من غده قاضيا بين الناس حتّى انتصف النهار وبلغت الشمس كبد السماء ، فعاد إلى منزله ليجمّ باستراحة إعيائه ( 2 ) ويريح بغفوة أعضائه ، إذ دقّ عليه الشيطان الباب في يومه وأيقظه من غرار نومه ، فقال : أين كنت بالأمس وما أخرّك عن محضر الناس ؟ فقال : إنّ قومي أخبث قوم ، قالوا : نعطيك حقّك اليوم ثمّ اعتلَّوا عليّ ومطلوني ولووا ديني وجحدوني ( 3 ) فطوّل القول حتّى فاتته القائلة ، فقام وتطهّر وجلس للناس ينتظر الشيخ فلم يحضر ، وانصرف من غده إلى منزله ليقيل على رسمه ، وقال لبوّابه : لم تلتق أجفاني منذ ثلاثة أيّام ولا بدّ للتعب المكدود من جمام ، فلا تأذن لأحد عليّ ولا تدعه يدخل إليّ ، ريثما أقيل ساعة وأجد ممّا عراني استراحة ، فجاء الشيطان فحجبه البّواب فلم يمتنع ، ودخل الدار فأيقظه ، فحين همّ أن يستخفه الغيظ ثبّته الله وعصمه فصبر عليه كاظما ، ونكص الشيطان على عقيبه رغما ، فذلك قوله عزّ وجلّ : « واذكر إسماعيلَ واليَسعَ وذا الكفلِ وكلٌّ من الأخيار » ( 4 ) ، وقوله تعالى : « وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكِفل كلٌّ من الصابرينَ » ( 5 ) ( 6 ) .
قوله عليه السّلام : « وإطفاء النائرة » طفئت النار تطفأ بالهمز - من باب تعب - طفوا على وزن فعول : خمدت ، وأطفأتها إطفاء ، ومنه : أطفات الفتنة : إذا سكّنتها
هامش
( 1 ) ( ج ) : غروب الشفق .
( 2 ) الاعياء : التعب والكل .
( 3 ) ( ج ) : ومجدوني .
( 4 ) سورة ص : الآية 48 .
( 5 ) سورة الأنبياء : الآية 85 .
( 6 ) آداب النفس : ج 2 ص 69 .