تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
شرح
وفي باب الأقوال ، كالبلاغة المتوسّطة بين العيّ والهذر . فتبيّن أنّه لا يخرج شئ من الفضائل عنه قولا وعملا واعتقادا . ولذلك قالوا : هو ميزان الله المتبرّئ من كلّ ذلَّة ، وصراطه المستقيم المؤدّي بسالكه إليه ، وبه يستتبّ أمر العالم ، قال الله تعالى : « الذي أنزل الكتابَ بالحقِّ والميزان » ( 1 ) وقال تعالى « والسماءَ رَفعها ووضعَ الميزان » ( 2 ) ، عبّر بالميزان عن العدل ، لأنّه من أثره ومن أظهر أفعاله للحاسّة ، إذا كان العدل مراعاة الاستقامة على حاقّ الوسط في طرفي الإفراط والتفريط ، اللذين هما ككفّتي الميزان مهما رجحت إحداهما فالنقصان لازم والخسران قائم . وقال عليه السّلام : بالعدل قامت السماوات والأرض ( 3 ) ، إذ لو كان شئ من موجودات العالم وأصولها زائدا على الآخر إفراطا ، أو ناقصا عنه تفريطا ، لم يكن منتظما هذا النظام . وبيان ذلك : أنّ مقادير العناصر لو لم تكن متكافئة متعادلة بحسب الكميّة والكيفيّة ، لاستولى الغالب على المغلوب ، وانتقلت الطبائع كلَّها إلى طبيعة الجرم الغالب ، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقلّ ممّا هو الآن لاحترق كلّ ما في هذا العالم ، ولو كان أكثر لاستولى البرد والجمود ، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وبطئها ، فإنّ كلا منهما مقدّر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه ، ولهذا المعنى وصف الله سبحانه بالعدل ، إذ كان معنى عدله وضعه لكلّ موجود في مرتبته ، وهبته ( 4 ) له ما يستحقّه من غير زيادة ونقصان مضبوطا بنظام الحكمة .
هامش
( 1 ) سورة الشورى : الآية 17 . ( 2 ) سورة الرحمن : الآية 7 . ( 3 ) التفسير الكبير للفخر الرازي : ج 20 ص 103 ، عوالي اللئالي : ج 4 ص 103 . ( 4 ) ( ج ) : هيئته .