شرح
ولمّا كان العدل أصل كلّ خير ، وعليه مدار كلّ أمر ، وبه قامت السماوات والأرض ، وهو ميزان الله القسط في الدنيا والآخرة ، قدّمه في الطلب على سائر المكارم المطلوبة ، اهتماما بشأنه وتنبيها على علوّ مكانه .
وهو إمّا بالقوّة فهيئة نفسانيّة يطلب بها التوسّط بين الإفراط والتفريط .
وإمّا بالفعل فالأمر المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط .
فباعتبار الأوّل قيل : هو أصل الفضائل كلَّها ، من حيث إنّ صاحبه يكتسب به جميع الفضائل .
وباعتبار الثاني قيل : هو الفضائل كلَّها ، من حيث إنّه لا يخرج شئ من الفضائل عنه .
وبيانه : أنّ الفضائل كلَّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط وتفريط ، فالمتوسط منها هو العدل ، كالحكمة النظريّة المتوسّطة بين الجربزة والغباوة ، والعفّة المتوسّطة بين خمود الشهوة والفجور ، والشجاعة المتوسّط بين الجبن والتهوّر ، والسخاء بين التبذير والبخل ، والحلم بين المهانة والبطش ، والتواضع بين الكبر والذل ، والاقتصاد بين الإسراف والتقتير ، والإنصاف بين الظلم والانظلام ، وقس على ذلك سائر الأخلاق الفاضلة ، فالأوساط بين هذه الأطراف المتضادّة هي الفضائل ، ولكلّ منها طرفا تفريط وإفراط وهما مذمومان ، والخروج إلى أحدهما هو الجور الذي هو ضدّ العدل ، والأطراف المتضادّة هي الرذائل ، ومن هنا قيل : خير الأمور أوسطها ( 1 ) .
ثمّ هذا الحكم في العدل جار في باب العقائد أيضا ، كالتوحيد المتوسّط بين التعليل والشرك ، والتعويل على الأمر بين الجبر والتفويض ، وفي باب الأعمال ، كأداء الواجبات والسنن المتوسّط بين البطالة والترهّب .
هامش
( 1 ) عوالي اللئالي : ج 1 ص 296 .