شرح
ونحو ذلك مستلزم لتعاون الهمم وتصافي البواطن والاجتماع على الألفة والمحبّة وأنس بعضهم ، فتستقيم أمورهم بتعاونهم وتتراح مضارّهم بتناصرهم ، فمن منح الألفة من الناس تمّ له نفعهم إيّاه ، وعدم مضرّتهم له ، وميل قلوبهم إليه ، وأنسهم به ، ومدافعتهم عنه ، وفي ذلك صلاح دنياه وآخرته ، ولذلك حثّ الشارع على الألفة والاتّحاد .
حتّى قال العلماء : إنّ سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي لا يتمّ إلا بها ، ولذلك عظَّم الله تعالى المنّة بإيقاع الألفة بين أهل الملَّة ، فقال : « لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألَّفتَ بين قلوبهم ولكن الله ألَّفَ بينهم » ( 1 ) ، وذلك أنّهم بالألفة يكونون بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه ، ولأجلها شرّع الله تعالى اجتماع الخلق على الصلاة في المساجد في كلّ يوم خمس مرّات وفي كلّ أسبوع مرّة في المسجد الأعظم ، وفي كلّ سنة مرّتين في الأعياد ، وفي العمر مرّة بمكّة لاجتماع أهل البلدان النائية ، كلّ ذلك ليتأكّد باجتماعهم الألفة والاتّحاد ، وتقع بسببه المحبّة والوداد ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّا .
فمن ذلك ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسند صحيح عن أبي عبد الله عليه السّلام أنّه كان يقول لأصحابه : اتّقوا الله وكونوا اخوة بررة متحابيّن في الله متواصلين متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه ( 2 ) .
وبسند صحيح عنه عليه السلام أنّه قال : يحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض ، حتّى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجلّ ، « رحماء بينهم » متراحمين ، مغتّمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : الآية 63 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 175 ح 1 .