شرح
ولا يقنطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النيّة ، وربّما أخرّت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل ، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ( 1 ) انتهى .
فتراه عليه السلام كيف عدّد لتأخّر الإجابة أسبابا ، ليلحظها السائل عند تأخّرها فلا يقنط من رحمته تعالى .
قوله عليه السلام : « ويدك بالعطايا أعلى من كلّ يد » .
الأعلى : يكون في المكان من علا يعلو - من باب قعد - علوا ( 2 ) .
وفي المكارم : من علي يعلي - من باب تعب - علاء بالفتح والمدّ ( 3 ) ، وهو المراد هنا ، أي : يدك بالمواهب أرفع قدرا وأكرم من كلّ يد .
والمعنى أنّ جودك يعلو كلّ جود ويزيد عليه ، وليس القصد إثبات اليد والعلوّ لها ، بل هو من باب التمثيل كقوله تعالى : « وقالَتِ اليَهودُ يَدُ اللهِ مَغلولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِم ولُعِنوا بِما قالُوا بَل يَداهُ مَبسوطَتان » ( 4 ) . فأعلويّة اليد مجاز عن أكثريّة الجود ، كما أنّ غلّ اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود .
قال الزمخشري : ولا يقصد من يتكلَّم بهذا إثبات يد ولا غلّ ولا بسط ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه كأنّهما كلامان معتقبان ( 5 ) على حقيقة واحدة ، حتّى أنّه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قطَّ ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها ، ولو أعطى الأقطع إلى المنكبّ عطاء جزلا لقالوا :
ما أبسط يده بالنوال ، لأنّ بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا معاقبتين للبخل والجود ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 391 وصية 31 .
( 2 ) أي : جلس مجلس عال .
( 3 ) لسان العرب : ج 15 ص 85 .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 64 .
( 5 ) هكذا في الأصل ولكن في الكشاف : متعقبان . وهذا هو الصحيح .