شرح
كقول الشبعان : أشتهي الطعام وأميل إليه قاصدا حصول الميل والاشتهاء ، وكقول الفارغ ( 1 ) : أعشق فلانا وأحبّه وأنقاد له وأطيعه ، بل لا سبيل إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وإقباله عليه ، إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث ، واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادّة له ، فإنّ النّفس إنّما تنبعث إلى الفعل وتقصده وتميل إليه ، تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب اعتقادها وما يغلب عليها من الأحوال ، فإذا غلبت شهوة النكاح واشتدّ توقان النفس إليه ، لا يمكن الموافقة على قصد الولد ، بل لا يمكن إلا على نيّة قضاء الشهوة فحسب ، وإن قال بلسانه : أفعل السنّة وأطلب الولد قربة إلى الله ، وقس على ذلك قول المصلَّي عند نيّة الصلاة ، إذا كان منهمكا في أمور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها ، فإنّه لا يتيسّر له توجيه قلبه بكليّته إلى الصلاة وتحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها ، بل يكون دخوله فيها دخول متكلَّف لها متبرّم بها ، ويكون قوله :
أصلَّي قربة إلى الله كقول الشبعان ، أشتهي الطعام ، وقول الفارغ : أعشق فلانا مثلا .
والحاصل : أنّه لا تحصل النيّة الكاملة المعتدّ بها في العبادات ، وغيرها إذا أريدت بها القربة ، من دون ذلك الميل والإقبال ، وقمع ما يضادّه من الصوارف والاشتغال ، وهو لا يتيسّر إلا بصرف القلب عن الأمور الدنيويّة ، وتطهير النفس عن الصفات الذميمة الدنيّة ، وقطع النظر عن الحظوظ العاجلة بالكليّة ، وتوجيه القلب إلى المولى وقصده دون جميع ما سواه بالنيّة ، وذلك ميل لا يتيسّر إلا لمن نوّر الله قلبه بالعرفان واليقين ، وهداه صراط عباده المخلصين ( 2 ) .
ولذلك قال أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين : تخليص النيّة من الفساد أشدّ على
هامش
( 1 ) ( ج ) : العاشق .
( 2 ) المحجة البيضاء : ج 8 ص 121 - 122 .