تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
شرح
وممّا يدل على التفاوت في اليقين حتّى في الأنبياء عليهم السّلام ما روي في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام ، أنّه قال : اليقين يوصل العبد إلى كلّ حال سنّي ومقام عجيب ، كذلك أخبر رسول الله صلَّى الله عليه وآله عن عظم شأن اليقين - حين ذكره عنده أنّ عيسى بن مريم عليهما السّلام كان يمشي على الماء - فقال : لو زاد يقينه لمشى في الهواء . فدلّ بهذا أنّ الأنبياء عليهم السّلام مع جلالة محلَّهم من الله كانت تتفاضل على حقيقة اليقين لا غير ، ولا نهاية لزيادة اليقين على الأبد ، والمؤمنون أيضا متفاوتون في قوّة اليقين وضعفه ، فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبرّي من الحول والقوّة إلا بالله ، والاستقامة على أمر الله ، وعبادته ظاهرا وباطنا قد استوت عنده حالتا العدم والوجود ، والزيادة والنقصان ، والمدح والذمّ ، والعزّ والذلّ ، لأنّه يرى كلَّها من عين واحدة ، ومن ضعف يقينه تعلَّق بالأسباب ورخص لنفسه بذلك ، واتّبع العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة ، والسعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها ، يقرّ باللسان أنّه لا مانع ولا معطي إلا الله ، وأنّ العبد لا يصيب إلا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الزرق ، وينكر ذلك بفعله وقلبه ، قال الله عزّ وجلّ : « يقولونَ بأفْواهِهِم ما لَيْسَ في قُلوبِهِم واللهُ أعلمُ بِما يكتُمونَ » ( 1 ) انتهى . ومن أخبار أهل اليقين ما حكاه إبراهيم الخواص ، قال : لقيت غلاما في التيه كأنّه سبيكة فضّة ، فقلت ، إلى أين ؟ فقال : إلى مكّة ، فقلت : بلا زاد ولا راحلة ؟ فقال : يا ضعيف اليقين الذي يحفظ السماوات والأرض لا يقدر أن يوصلني إلى بيته بلا علاقة ؟ فلمّا دخلت مكّة إذا هو في الطواف يقول : يا عين سخي أبدا * يا نفس موتي كمدا
هامش
( 1 ) مصباح الشريعة : ص 177 - 178 .