شرح
وهذا المرتبة هي الدرجة العليا والمنزلة الفضلى التي سألها الداعي عليه السّلام .
وعبّر بعضهم عن هذه المراتب فقال : للعلم ثلاث مراتب :
أولاها : علم اليقين ، وهي مرتبة البرهان .
وثانيتها : عين اليقين ، وهو أن يرى المعلوم عيانا ، فليس الخبر كالعيان .
وثالثتها : حقّ اليقين ، وهو أن يصير العالم والمعلوم واحدا ( 1 ) ولعلَّه لا يعرف حقّ هذا المرتبة الا من وصل إليها ، كما أنّ طعم العسل لا يعرفه إلا من ذاقه ، ولعزّة هذه المرتبة وقلَّة الواصلين إليها لم يتعرّض لبيانها الأكثرون .
قال الشيخ بيان الحقّ أبو القاسم محمود بن أبي الحسن النيسابوري في كتاب خلق الإنسان : قالوا : إنّ اليقين يقينان :
أحدهما : ينفي الشك ، وهذا لا يغلب الشهوة ، وهو يقين التوحيد .
والآخر : نور مشرق للصدر ، غالب للشهوات ، مبطل للاختيار ، صارت لصاحبه أمور الدنيا والآخرة وأحوال الملكوت معاينة ، وأصبحت لأمره خاضعة طائعة ، وعلى هذا جاء عن الله في الزبور المنزل على داود عليه السّلام : لو صدق يقينكم ثمّ قلتم للجبل : انتقل فقع في البحر ، لوقع .
وذلك أنّ القلب إذا وصل إلى الله تعالى ، وامتلأ من عظمته ، وأشرق بنور جلاله وهيبته ، فبعد ذلك أينما وقع البصر دار الفكر حوالي ما امتلأ به القلب ، إذ وصل إلى الله وامتلأ من عظمته من العمل الصرف الصافي الخالص ، غير الممزوج بالشبهات المكدّر بالشائبات ، بمنزلة الشمس إذا ردّ ( 2 ) قرنها واستوى حاجبها وأشرق ضياؤها ، فحيث ما سرت من بلاد الله فضوؤها معك يريك الأشياء بألوانها وهيآتها
هامش
( 1 ) راجع بحارالأنوار : ج 70 ص 142 .
( 2 ) ( ج ) . ورد .