شرح
وعلى أنّ الثاني وحده - وهو التصديق - ليس بإيمان ، بقوله تعالىّ : « وجَحدوا بها واسْتَيْقَنَتْها أنفسُهم » ( 1 ) ، أثبت للكفّار الاستيقان النفسي وهو التصديق ، فلو كان الإيمان نفس التصديق لزم اجتماع الكفر والإيمان في شخص واحد في آن واحد ، ولا شكّ أنّهما متقابلان لا يمكن اجتماعهما كذلك ( 2 ) .
ففيه أوّلا : أنّ التصديق لمّا كان مقرونا بالإنكار كان غير معتبر ، لأنّ التصريح بالنقيض ربّما كان مانعا من القبول والاعتبار ، ولذلك اشترط فيه عدم الإنكار باللسان .
وثانيا : أنّ هذه الآية إنّما تدلّ على أنّ التّصديق وحده ليس بايمان ، ولا تدلّ على أنّ الإقرار باللسان جزء من الإيمان ، لجواز أنّ يكون شرطا له ، والمشروط ينتفي بانتفاء الشرط كما أنّ الكلّ ينتفي بانتفاء الجزء .
ومن ثمّ حمل المتكلَّمون ، القائلون بأنّ الإيمان نفس التصديق ، الأخبار ، الدالَّة على جزئيّة أعمال الجوارح للإيمان على أنّها للكمال ، بمعنى أنّ العمل ليس جزء للإيمان بحيث يعدم الإيمان بعدم العمل ، بل إضافة العمل إليه إضافة كمال ، وكذا حملوا الأخبار الدالَّة على جزئيّة الإقرار باللسان على أنّه شرط في الإيمان لا جزء منه ، وعلى هذا حملوا الأخبار المختلفة الدالّ بعضها على أنّ الايمان نفس التصديق والعمل ، وبعضها على أنّه التصديق والإقرار .
ثمّ كون الإقرار باللسان شرطا في كون التصديق القلبي إيمانا هو مذهب طائفة من العامّة أيضا .
قال التفتازاني في شرح العقائد : فرقة تقول : الإقرار شرط لصحّته . ( 3 )
هامش
( 1 ) سورة النمل : الآية 14 .
( 2 ) كشف المراد : ص 462 - 427 ، مع تقديم وتأخير واختلاف .
( 3 ) شرح العقائد للتفتازاني : ص 204 .