شرح
الكرام السفرة ، لأنّهم الوسائط بين الله تعالى والبشر ، أو لمزيد تعطَّفهم على المؤمنين ، فقد فسّر الكرام من قوله تعالى : « بأيدِي سَفَرةٍ كِرامٍ بَررَةٍ » ( 1 ) بالمتعطَّفين على المؤمنين يكلَّمونهم ويستغفرون لهم .
والباء من قوله « بسقي » : للسببيّة ، نحو « فأخرَجَ بِهِ مِن الثَّمراتِ » ( 2 ) . وهي إمّا متعلَّقة بالأفعال الثلاثة التي قبله على طريق التنازع وإعمال الأخير منها في المجرور والأوليين في ضميره ، ثمّ حذفه لأنّه فضلة ولا لبس ، والأصل وامنن على عبادك بإيناع الثمرة به وأحي بلادك ببلوغ الزهرة به .
لا يقال : يلزم منه تعلَّق حرفي جرّ بمعنى واحد بفعل واحد من غير إبدال ، وهو غير جائز .
لأنّا نقول : حرفا الجرّ هنا ليس بمعنى واحد ، بل الباء من قوله « بإيناع الثمرة » للتعدية ، وإيناع الثمرة واقع موقع المفعول به ، ألا ترى أنّ « من » قد يتعدّى بنفسه فيقال : « منّ عليه كذا » ، كما يقال : « منّ عليه بكذا » .
قال الفيومي في المصباح : منّ عليه العتق وغيره وبه منّا - من باب قتل - : أنعم عليه به ( 3 ) .
والباء من قوله : « ببلوغ الزهرة » : للآلة ، وتسمّى باء الاستعانة . والباء من قوله : « بسقي » : للسببيّة ، فاختلف معنى الحرفين ، فتعلَّقهما بالأوّل كقولك : منّ الله على زيد بخلاصه برحمته ، وبالثاني كقولك : قطعت الشجرة بالسكّين بقوّتي ، وهذا ممّا لا ريب في جوازه .
وإمّا متعلَّقة بالمصدرين أعني الإيناع والبلوغ على جهة التنازع أيضا ، فيكون السقي سببا لإيناع الثمرة وبلوغ الزهرة ، كما قال تعالى : « وأنزلَ من السّماءِ ماء »
هامش
( 1 ) سورة عبس : الآية 15 و 16 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 22 .
( 3 ) المصباح المنير : ص 798 .