تَمَدَّحْتَ بِالْغِناء عَنْ خَلْقِكَ وَأَنْتَ أهْلُ الْغِنى عَنْهُمْ وَنَسَبْتَهُمْ إِلَى الْفَقْرِ وَهُمْ أهْلُ الْفَقْرِ إِلَيْكَ .
فَمَنْ حاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ وَرَامَ صَرْفَ الْفَقْرِ عَنْ نَفْسِهِ بِكَ
شرح
والمعنى أنّ دعاء الداعين على كثرتهم وكثرة مطالبهم لا يشقّ عليه ، أو لا يتعبه فيضجر من دعائهم ويتبرّم من سؤالهم ، فيوجب ذلك حرمانهم وتخييبهم ، أو يعسّر عليه إنجاح مأربهم مطالبهم وإسعاف مآربهم ، لأنّ المشقّة والتعب من لواحق المزاج ، والباري تعالى منزّه عنه فيتنزّه عن لواحقه .
تمدّح : على تفعّل ، أظهر مدح نفسه .
وقال الزمخشري في الأساس : العرب تتمدّح بالسخاء ، وهو يتمدّح إلى الناس :
يطلب مدحهم ( 1 ) .
والغناء بالفتح والمدّ : الكفاية ، وبالكسر والقصر : عدم الحاجة ، وقد وردت الرواية بالوجهين ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : « يا أيُّها النَّاسُ أنتُمُ الفُقَراءُ إِلى اللهِ واللهُ هُو الغَنيّ الحَميدُ » ( 2 ) ، ويجب أن يحمل الغنى هنا على ما هو أعمّ من الغنى المتعارف ، فيراد به سلب مطلق الحاجة ، كما يجب أن يراد بالفقر مطلق الحاجة ، إذ حقيقة الغنى هو استقلال الشيء بذاته في كلّ ماله من غير تعلَّق له بالغير أصلا ، وهو بهذا المعنى لا يكون إلا لله تعالى ، وحقيقة الفقر هو عدم استقلال الشيء بذاته وتعلَّقه بالغير ولو في شئ ، وما هو بهذا المعنى صفة لكلّ ممكن ، فثبت أنه تعالى غنيّ عن خلقه من كلّ الوجوه ، وتحقّق فقرهم إليه من كلّ وجه ، لما تقرّر من أنّ كلّ فقير بالذات من وجه ما فهو فقير بالذات من جميع الوجوه ، كما برهن عليه في محلَّه .
الفاء : للسببيّة ، أي : فبسبب ذلك من حاول إلى آخره .
وحاول الشيء حوالا ومحاولة : رامه وطلبه .
هامش
( 1 ) أساس البلاغة : ص 585 .
( 2 ) سورة فاطر : الآية 15 .