تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
وَيا مَنْ لا تُفْني خَزائنَهُ الْمَسائلُ وَيا مَنْ لا تُبَدِّلُ حِكْمَتَهُ الْوَسائلُ .
شرح
ورغب إليه : ابتهل وتضرّع وسأل . ورغب عنه : كرهه فلم يرده . ولمّا كانت أزمّة الأمور بيده تعالى فلا يقع منها شئ إلا بايجاده وإذنه ، وكان كلّ من سواه مفتقرا إليه ، صحّ الاستغناء به تعالى عن غيره في جميع الأمور وكلّ الأحوال ، واستحال الاستغناء عنه في سئ منها . ولمّا كان هو المرغوب إليه دون من عداه ، إذ كان هو المعطي المانع والضارّ النافع ، لا جرم لم يكن من الرغبة إليه بدّ ولا للرغبة عنه مجال . فنى المال يفنى - من باب تعب - فناء : نفد . ويتعدّى بالهمزة ، فيقال : أفنيته ، والمراد بخزائنه تعالى إمّا خزائن السماوات والأرض ، إذ الكلّ منه وبيده ، أو المعقول من سماء جوده وما تحويه قدرته من الخيرات الممكنة . وإسناد الإفناء إلى المسائل من باب إسناد الفعل إلى السبب فهو مجاز عقليّ ، وإنّما لم تفن خزائنه المسائل لأنّ مقدوراته تعالى غير متناهية ، وما عنده لا يدخله نقص ولا فناء ، بل يدخلان الفاني المحدود . وفي الحديث القدسيّ : يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كلّ إنسان مسألته ، ما نقص ذلك ممّا عندي شيئا ، إلا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر ( 1 ) . أي : لا ينقص شيئا ، وإنّما ضرب المثل بالمخيط والبحر ، لأنّه وإن كان يرجع بشيء قليل محسوس ، لكن لقلَّته بالنسبة إلى أعظم المرئيّات عيانا لا يرى ولا يعدّ شيئا ، فكأنّه لم ينقص منه شئ .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي : ج 16 ص 132 - 133 .