قال صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأبنائه الطَّاهرين : اللهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكائِدِهِ ، وَمِنَ الثِّقَةِ بأمَانِيِّهِ وَمَواعِيْدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصَائِدِهِ .
شرح
من إيراده تلك الشبهات ، وكلّ من له مرتبة متوسّطة في الحكمة يعلم دفعها وحلَّها ، فضلا عن الراسخ القدم في الحكمة ، المنشرح الصدر بنور الإيمان والمعرفة .
ومع ذلك ذكر الفخر الرازي - إمام المشككين - ما نقلناه عنه : أنّه لو اجتمع الخلائق كلَّهم لم يجدوا مخلصا عن هذه الشّبهات ، إلا بما سمّاه الجواب الإلهي من القول بإبطال الحكمة وإنكار الغاية ونفي المرجّح والسبب الذاتي لوجود الأشياء شغفا بمذهب أصحابه وترويجا له ، من القول بالفاعل المختار والإرادة الجزافيّة ، وذلك لقصوره وقصورهم عن إدراك الحكمة العليّة ، وعجزهم عن دفع الأوهام والشبهات في الأمور العقليّة ، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل .
الرابعة : قد يقال : إنّ الشيطان ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ، لقوله تعالى : « إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان » ( 1 ) ، وقول الشيطان : « إلا عبادك منهم المخلصين » ( 2 ) ، فما الفائدة في أمره سبحانه سيّد أنبيائه وأخلص أصفيائه بقوله :
« فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم » ( 3 ) ، وقوله : « قُلْ أعُوذُ بربِّ الناس » ( 4 ) ؟ وكيف استعاذ منه سائر الأنبياء والمرسلين والأئمّة المعصومين ؟ .
والجواب : أنّ الكلام في صحّة الاستعاذة كالكلام في سائر الأدعية والعبادات التي جعلها الله سببا وواسطة لحصول الكمالات العاجلة والآجلة للعبد ، فجعل الاستعاذة سببا لدفع سلطان الشيطان كما جعل الدعاء والعبادة سببا لجلب رضوان الرحمن
آثر عليه السّلام صيغة المتكلَّم مع غيره في الاستعاذة ، إشعارا باشتراك سائر
هامش
( 1 ) سورة الحجر : الآية 42 .
( 2 ) سورة ص : الآية 83 .
( 3 ) سورة النحل : الآية 98 .
( 4 ) سورة الناس : الآية 1 .