تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
شرح
المبين - على ذريّة آدم بالإغواء والوسوسة ، بحيث يراهم من حيث لا يرونه . فالجواب عنها : أنّ نفوس أفراد البشر في أوّل الفطرة ناقصة بالقوّة ، ومع ذلك بعضها خيّرة نورانيّة شريفة بالقوّة ، مائلة إلى الأمور القدسيّة ، عظيمة الرغبة إلى الآخرة ، وبعضها خسيسة الجواهر ظلمانيّة شرّيرة بالقوّة ، مائلة إلى الجسمانيّات ، عظيمة في إيثار الشهوة والغضب ، فلو لم يكن الإغواء ولا طاعة النفس والهوى ، لكان ذلك منافيا للحكمة لبقائهم على طبقة واحدة من نفوس سليمة ساذجة ، فلا تتمشّى عمارة الدنيا بعدم النفوس الجاسية ( 1 ) الغلاظ العمالة في الأرض لأغراض دنية عاجلة ، ألا ترى إلى ما روي من قوله تعالى في الحديث القدسي : إنّي جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم ( 2 ) ، وما روي أيضا في الخبر : لولا أنّكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ( 3 ) . وأمّا الشبهة السابعة ، وهي السؤال عن الفائدة في إمهاله إلى يوم الوقت المعلوم . فالجواب عنها : بمثل ما ذكرناه ، فإنّ بقاءه تابع لبقاء النوع البشري بتعاقب الأفراد ، وهو مستمرّ إلى يوم القيامة ، فكذلك وجب استمراره لأجل أدائه الفائدة التي ذكرناها في وجوده ووجود وسوسته إلى يوم الدين . وقوله : « أليس بقاء العالم على الخير خيرا من امتزاجه بالشر ؟ » قلنا : فإذا لم يكن دنيا ، فالدنيا ممزوجة بالشرّ ، ولو كان كلَّها خيرا لكان وجودها خيرا من عدمها ، لكنّها جسر يعبر به الناس إلى الآخرة ووسيلة إلى الخير الأخروي والدائم ، والعالم الذي لا يتطرّق إليه الشرور والآفات عالم آخر إليه رجعي الطاهرات من نفوسنا ، وهذا اللعين مع اشتهاره بالعلم في غاية الجهل المركّب بالعناد ، كما يظهر
هامش
( 1 ) جسا الشيء يجسو : إذ يبس وصلب ( المصباح المنير ) ص 140 . ( 2 ) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين : ج 6 ص 94 . ( 3 ) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين : ج 6 ص 94 .