شرح
الثاني : ما تقرّر عند أرباب العرفان من كونه تعالى منتهى مقامات العارفين وغاية أطوار السالكين وأفكار المتفكّرين ، فإنّهم لا يزالون يترقّون من مقام إلى مقام ، ومن رتبة إلى رتبة ، حتّى ينتهوا إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذواتهم واندكاك جبال هوياتهم ، فيتلو لسان حالهم « وأَنَّ إِلى ربِّكَ المُنْتَهى » ( 1 ) .
الثالث : أنّه المنتهى إليه في طلب الحاجات عند اليأس من كلّ مطلوب إليه سواه ، فإنّ الطالب إذا يئس من المخلوقين في قضاء حاجته انتهى إليه تعالى في طلبها .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام : هو الذي يتألَّه ( 2 ) إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق ، عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه ، وتقطع الأسباب من كلّ من سواه ( 3 ) .
الرابع : أنّ كلّ مطلوب إليه حاجة سواه ، فلا بدّ أن يكون له حاجة يطلبها من غيره ، إلى أن ينتهي الطلب إليه تعالى ، وهو الذي يطلب منه الكلّ ويفتقر إليه وهو الغنيّ الحميد .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام : أنّ كلّ مترئس في هذه الدنيا ومتعظَّم فيها ، وإن عظم غناه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه ، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم ، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها ، فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته ( 4 ) ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
وبالجملة : فهو تعالى غاية كلّ موجود ، ومنتهى كلّ غاية ومقصود ، ومرجع كلّ مضطرّ ومطرود ، لا مقصد فوقه ولا مطلوب وراءه ، ولا ملجأ إلا هو ، ولا منجى منه إلا إليه .
هامش
( 1 ) سورة النجم : الآية 42 .
( 2 ) في ( الف وج ) يناله .
( 3 ) التوحيد ص 231 ، ح 5 .
( 4 ) لم نعثر عليه .