ويا مَنْ يُسْتَغْنى بِهِ وَلا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَيا مَنْ يُرْغَبُ إِلَيْهِ وَلا يُرْغَبُ عَنْهُ .
شرح
كدر الماء كدرا - من باب تعب - فهو كدر ، وكدر كدورة وكدرا - من بابي صعب وقتل - : زال صفاؤه ، ويتعدّى بالتضعيف فيقال : كدّرته تكديرا .
والعطايا : جمع عطيّة ، وهي ما تعطيه غيرك .
والامتنان : افتعال من المنّ ، وهو إظهار الاصطناع واعتداد الصنائع ، كأن تقول : ألم أعطك كذا ؟ ألم أحسن إليك ؟ ألم أعنك ؟ وهو تقرير وتعيير يكدّر المعروف وينغّصه ، فلهذا نهى الشارع عنه بقوله : « لا تُبطِلُوا صَدَقتِكُمْ بِالمَنِّ والأذى » ( 1 ) . ومن هنا قيل :
سيّان مَن منح النائل ومنّ * ومن منع السائل وظنّ
والمراد بنفي تكديره تعالى عطاياه بالامتنان نفي الامتنان عنه رأسا ، فهو من باب نفي الشيء بنفي لازمه ، أي : لا امتنان فلا تكدير .
وقد تقدّم بيان المبالغة في هذا النوع من النفي فليرجع إليه . ثمّ لمّا كان الامتنان بالمعنى المذكور رذيلة ناشئة عن دناءة النفس وصغر الهمّة واستعظام النعمة والإحسان ، كان تعالى منزّها عن الامتنان ، لأنّ كلّ نعمة من نعمه تعالى وإن عظمت ، وكلّ عطيّة من عطاياه وإن جلَّت بالنسبة إلى العبد المعطى والمنعم عليه ، فهي حقيرة بالنسبة إلى عظمته جلَّت قدرته ، وشأنه تعالى أجلّ من أن يكون لها عنده موقع فيمنّ بها ويعتدّها على من أعطاه وأنعم عليه .
وقول بعض العلماء : إنّ المنّ بالمعنى المذكور صفة مدح للحقّ سبحانه وإن كان صفة ذمّ للمخلوق ، ليس بشيء ، وعبارة الدعاء تشهد ببطلانه .
استغنيت بالشيء : اكتفيت به .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 264 .