شرح
متأوّلة هي والفعل بعدها بمصدر ، والتقدير : من إحصائي لك عيوبي .
فإن قلت : ما معنى هذا التفضيل ؟ فإنّ ظاهره تفضيل نفسه في كثرة الذنوب ، وقبح الآثار ، وشناعة الأفعال ، وشدّة التهوّر في الباطل ، وضعف التّيقّظ عند الطاعة ، وقلَّة الانتباه والارتقاب للوعيد ، على إحصائه لعيوبه وقدرته على ذكر ذنوبه ، وهذا لا معنى له .
قلت : نظائر هذا التركيب كثيرة مشهودة الاستعمال ، كقولهم : زيد أعقل من أن يكذب ، وقول العلماء : هذا أظهر من أن يخفى ، وقلّ من يتنبّه لإشكالها ، وقد وجّهه جماعة من علماء العربيّة بوجوه .
قال محمّد بن مسعود بن الزّكي في كتابه البديع - وهو كتاب خالف فيه أقوال النحويّين في أمور كثيرة - : إنّ الذي وأن المصدرية يتقارضان فتقع الذي مصدريّة كقوله :
أتقرح أكباد المحبّين كالذي * أرى كبدي من حبّ ميّة تقرح
وتقع أن بمعنى الَّذي ، كقولهم : زيد أعقل من أن يكذب ، أي من الذي يكذب ( 1 ) انتهى . وتعقّبه ابن هشام فقال : أمّا وقوع الَّذي مصدريّة فقال به يونس والفرّاء والفارسي ، وارتضاه ابن خروف وابن مالك ، وجعلوا منه « وخضتم كالَّذي خاضوا » ، وأمّا عكسه فلم أعرف قائلا به ، والذي جرّأه عليه اشكال هذا الكلام .
قال : وظهر لي توجيهان :
أحدهما : أن يكون في الكلام تأويل على تأويل ، فيؤوّل أن والفعل بالمصدر ويؤوّل المصدر بالوصف ، فيؤول إلى المعنى الذي أراده ولكن بتوجيه يقبله العلماء ، الا ترى أنّه قيل في قوله تعالى : « وَما كانَ هذا القُرآن أنْ يُفتَرى » ( 2 ) : إنّ التقدير
هامش
( 1 ) مغني اللبيب لابن هشام : ص 708 - 709 .
( 2 ) سورة يونس : الآية 37 .