سُبْحَانَكَ مَا أعْجَبَ مَا أشْهَدُ بِهِ عَلى نَفْسِي ، وَأعَدِّدُهُ مِنْ مَكْتُوم أمْرِي .
شرح
بحلول جنّات النعيم وكانت غايته ، وإن قصّر في طلبها وانحرف عن سواء الصراط الموصل إليها باتّباع دعوة الشيطان ، كان في النار من الهاوين وكانت غايته فدخلها مع الداخلين .
سبحانك : تعجّب من شدّة اجترائه على الله بما ذكره من نفسه واعترف به سابقا ، وتنزيه لساحة كبريائه وجبروته عمّا لا يليق به من ذلك ، وقد تقدّم بيان استعمال سبحان في مقام التعجّب في الروضة الثالثة عشرة ( 1 ) .
ثمّ كرّر التعجّب صريحا لفظاعة ما شهد به على نفسه .
وعدّده من مكتوم أمره ممّا سبق ، وعدّده تعديدا : مبالغة في عدّه عدّا بمعنى أحصاه ، وكأنّه لاحظ كثرة المعدود .
واعلم أنّ السبب في التعجّب من الأمر هو عدم اطَّلاع النفس على أسبابه لغموضها ، ولذلك قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب ، ومن أجل ذلك وضع أهل اللغة قولهم : ما أفعله صيغة للتعجّب نحو ما أحسن زيدا ، إذ التقدير فيها السؤال عن أسباب حسنه ، وكلَّما كان الأمر أغرب وأسبابه أخفى كان أعجب ، ولذلك جاء بصيغة التعجّب من العجب ، فقال : « ما أعجب ما أشهد به على نفسي » . إذا عرفت ذلك فحاله - في إفناء الذنوب عمره وعصيان ربّه ، وستر الله عليه عوائبه وذنوبه وشوائبه ، ثمّ كون ذلك لم ينهه عن الإسراع إلى المعاصي ، ثمّ شدّة جهله برشده وغفلته عن حظَّه وبعد استصلاح نفسه حين ينفق نعمة الله في معصيته ، وبعد غوره في الباطل وشدّة إقدامه على السوء ، حين يجيب دعوة الشيطان دون دعوة الله ، مع معرفته بالشيطان وذكره له ، وهو عالم علم يقين بأنّ دعوة الله تنتهي به
هامش
( 1 ) ج 2 ص 28 .