ومَنْ أبْعَدُ غوْرا فِي البَاطِلِ وَأشَدُّ إقْدَامَا عَلَى السُّوءِ مِنّي ، حِيْنَ أقِفُ بينَ دَعْوَتِكَ وَدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ ، فَأتَّبِعُ دَعْوَتَهُ عَلى غَيْر عَمىً مِنّي في مَعْرِفَةٍ بِهِ ، وَلا نِسْيَانٍ مِنْ حِفْظِي لَهُ ، وَأنا حِيْنَئِذٍ مُوقِنٌ بِأنَّ مُنْتَهَى دَعْوَتِكَ إلى الجَّنَّةِ وَمُنْتَهَى دَعْوَتِهِ إلى النّار .
شرح
الإنسان نعمة الله عليه بأن لا يستعين بها على معصيته .
حدّث الجنيد قال : كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلَّمون في الشكر ، فقال لي : يا غلام ما الشكر ؟ فقلت : أن لا يعصى الله بنعمه ، فقال : يوشك أن يكون حظَّك من الله لسانك ، قال الجنيد : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري ( 1 ) .
وفي نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام : أنّ أقل ما يلزمكم الله أن لا تستعينوا بنعمته على معصيته ( 2 ) . وذلك أنّ العدل أن يستعان بنعمته على طاعته ، فإن لم يفعل ذلك فلا أقلّ من أن تستعمل في الأمور المباحة دون الاستعانة بها على معصيته ، فإنّ ذلك ممّا يعدّ لسخطه تعالى ، نعوذ بالله منه .
غور كلّ شئ : قعره وعمقه ، وغار في الأمر إذا دقق النظر فيه كأنّه وصل إلى غوره .
يقال : فلان بعيد الغور إذا كان متعمّق النظر عارفا بالأمور . فغورا في الدعاء يحتمل أن يكون اسما بمعنى القعر والعمق ، ويحتمل أن يكون مصدرا بمعنى الوصول إلى الغور ، وعلى الأوّل فالظرف متعلَّق بأبعد ، وعلى الثاني متعلَّق بغورا .
وقال ابن الأثير في النهاية : في الحديث : « أنّه سمع ناسا يذكرون القدر ، فقال :
إنّكم قد أخذتم في شعبين بعيدي الغور » غور كلّ شئ : عمقه وبعده ، أي : يبعد
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : ج 1 ص 398 .
( 2 ) نهج البلاغة : ص 533 ، حكمة 330 .