كلُّ ذَلِكَ حَيَاءً مِنّي بِسوءِ عَمَلِي ، وَلِذلك خَمدَ صَوْتي عَنْ الْجَأرِ إليْكَ ، وكَلّ لِسانِي عَنْ مُنَاجَاتِكَ .
شرح
وقال العارفون : الهيبة حالة فوق الخوف مقتضاها غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بل من أحوال نفسه ، بما يرد عليه من الحقّ إذا عظم الوارد واستولى عليه سلطان الحقيقة .
قالوا : وهي لا تسكن إلا في كلّ قلب منيب أوّاب ، ولا تلمّ إلا بساحة كلّ مصلح توّاب .
ذا : اسم إشارة واللام عماد جيء بها للدلالة على بعد المشار إليه ، والكاف :
للخطاب . والمشار إليه ما ذكر من فيض الدمع وما بعده .
وتجوز الإشارة إلى المتعدّد بتأويل ما ذكر وتقدّم وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه باعتبار المقتضي ، فإنّه في حكم المتباعد . وهذا في كلّ كلام يحدّث الرجل بحديث ثمّ يقول : وذلك ما لا شكّ فيه ، ويحسب الحاسب ثمّ يقول :
فذلك كذا وكذا ، وقال الله تعالى : « لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بينَ ذلِكَ » ( 1 ) ، وقال :
« ذلِكما مِمّا عَلَّمَني رَبِّي » ( 2 ) .
والحياء : انقباض النفس من أمر حذرا من اللوم فيه ، وهو نوعان :
نفساني : وهو الذي خلقه الله في النفوس كلَّها ، كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس .
وإيماني : وهو أن يمنع المؤمنين من فعل المعاصي خوفا من الله تعالى ، وهو المراد هنا .
فإن قلت : كيف أخبر عن فيض دمعه وما بعده بأنّه حياء ، وليس المبتدأ عين الخبر .
قلت : هو إمّا على حذف مضاف مقدر مع الخبر ، والتقدير : كلّ ذلك مقتضي
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية : 68 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية : 37 .