تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وَأنْتَ الَّذِي لا يَرْغَبُ في جَزاءِ مَنْ أعَطاهُ ، وَأنْتَ الَّذِي لا يُفْرِطُ في عِقابِ مَنْ عَصاهُ .
شرح
الجزاء بالمدّ : المكافاة على الشيء . ولما كان تعالى هو الغنيّ المطلق في كلّ شئ عن كلّ شئ ، صدق أنّه لم يعط من أعطاه رغبة في جزائه ، بل بمحض جوده وهو فيضان الخير عنه على كلّ قابل بقدر ما يقبله ، من غير بخل ولا منع ولا شائبة غرض ولا ضميمة علَّة . وبهذا الاعتبار كان كلّ شئ مربوبا له وهو ربّ كلّ شئ ، وكلّ عبد فقير وهو مغنيه . وفيه تنزيه له تعالى عن صفة المخلوقين ، لأنّ الرغبة في الجزاء من لوازم الاحتياج الَّذي هو من صفات المخلوق لا الخالق ، وإذ لا احتياج فلا رغبة في الجزاء . وأفرط في الأمر يفرط إفراطا : أسرف وتجاوز الحدّ . ولمّا كان تعالى قائما بالقسط عدلا في الحكم ، لم يكن ليفرط في عقاب من عصاه ويشتط في الانتقام منه فعل من يريد التشفّي من عدوّه بضرر ألم لحقه بتعدّيه عليه ، وذلك محال في صفة الله تعالى ، بل عقابه بقدر المعصية حسبما يقتضيه عصيان العاصي ، كما قال سبحانه : « مَنْ جاءَ بِالحَسَنةِ فَلَه عَشرُ أمثالِها وَمن جاءَ بِالسَّيِّئةِ فلا يُجزى إلا مِثلَها وَهُم لا يُظلَمُونَ » ( 1 ) ، وذلك من عظيم فضله تعالى وجزيل إنعامه على عباده ، حيث لا يقتصر في الثواب على قدر الاستحقاق بل يزيد عليه ، وربّما يعفو عن ذنوب المؤمن منّا منه عليه وتفضّلا ، وإن عاقب عاقب على قدر الاستحقاق عدلا منه وقسطا . فإن قلت : كيف يكون عقابه على قدر الاستحقاق ، وكفر الكافر منقطع وعذابه مؤبّد ؟ . قلت : إنّ الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبدا ، فاستحق العقاب الأبدي
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية : 160 .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 117 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني