شرح
بل لحكمة ومصلحة ظاهرة أو خفيّة ، لا جرم كان عطاؤه أكثر من منعه . وبيان ذلك : أنّ ما من فرد من أفراد الناس وإن كان في أقصى مراتب الفقر والإفلاس ، ممنوّا بأصناف العناء مبتلى بأنواع البلاء ، إلا وهو بحيث لو تأمّلته ألقيته متقلَّبا في نعم لا تحدّ ومنن لا تحصى ولا تعدّ ، كأنّه قد أعطي كل ساعة وآن من النعماء ما حواه حيطة الإمكان . وإن كنت في ريب من ذلك فقدّر أنّه ملك ملك أقطار العالم ، ودانت له جميع الأمم ، وأذعنت لطاعته القلوب ، وخضعت لهيبته الرقاب ، وفاز بكلّ مرام ، ونال كلّ منال ، وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الأموال ، من غير ند يزاحمه ، ولا شريك يساهمه ، بل قدّر أنّ جميع ما فيها من حجر ومدر يواقيت غالية ونفايس درر ، ثمّ قدّر أنّه وقع من فقد مشروب أو مطعوم إلى حالة بلغت نفسه الحلقوم ، فهل كان يشتري - وهو في تلك الحال - بجميع ماله من الملك والمال لقمة تنجيه أو شربة ترويه ؟ أم يختار الهلاك فتذهب الأموال والاملاك بغير بدل تبقى عليه ولا نفع يؤول إليه ؟ كلا بل يبذل لذلك كلّ ما تحويه اليدان كائنا ما كان ، وليس في صفقته شائبة خسران ، فإذن تلك اللقمة أو الشربة خير ممّا في الدنيا بألفي رتبة ، مع إنّهما على طرف التمام ينالهما متى شاء من الليالي والأيّام . أو قدّر أنّه احتبس منه النفس فشاهد الموت وأيقن بالفوت ، أمّا كان يعطي ذلك كلَّه بمقابلة نفس واحد ، بل يعطي وهو لرأيه حامد ، فإذن هو خير من أموال الدنيا بجملتها ومطالبها برمّتها ، مع أنّه قد أبيح له في كلّ آن من غير منع ولا حرمان ، هذا من الظهور والجلاء بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، وكم له سبحانه من نعم جليلة ودقيقة لا يحيط بها نطاق التعبير ولا يعلمها إلا العليم الخبير . فاتّضح أنّه تعالى يعطي كلّ آن عطايا لا تتناهى . وأمّا منعه سبحانه وإن كان هو في الظاهر منعا ، فهو - لكونه لا عن بخل ولا ضيق بل لحكمة بالغة - عين العطاء والإحسان والفضل والامتنان ، لما ورد في الحديث القدسي : إنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا