تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وَأنْتَ الَّذِي عَطَاؤُهُ أكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِ ، وَأنْتَ الَّذِي اتّسَعَ الْخَلائقُ كُلُّهم في وسعِهِ .
شرح
قال شارح الفصوص في معنى سبق الرحمة للغضب : اعلم أنّ الغضب في الجناب الإلهي ليس إلا إفاضة الوجود على حال غير ملائم للمغضوب عليه في المغضوب عليه بحيث يتضرّر ويتألَّم ، ولا شكّ أنّ تلك الإفاضة أمر وجودي يطلب الوجود الذي هو الرحمة ، فما لم يتعلَّق الوجود الذي هو الرحمة لم يتحقّق الغضب فهو مسبوق بالرحمة . وأيضا إفاضة الوجود مطلقا هو الرحمة ، لكن قد ينصبغ باعتبار متعلَّقه بصبغ الغضب ، ولا شكّ أنّ انصباغها بهذا الصبغ متأخّر عنها ، فهذا معنى آخر لسبق الرحمة على الغضب . وقد يجعل السبق بمعنى الغلبة ، فسبق الرحمة الغضب باعتبار غلبتها عليه آخرا ( 1 ) انتهى . وقيل : لمّا كانت الرحمة مقصودة أوّلا وبالذّات ، والغضب مقصودا بالعرض والتبع ، لأنّه مقتضى معاصي العباد ، وما بالذات متقدّم على ما بالتبع ، كانت الرحمة سابقة للغضب . والظاهر أنّ المراد هنا أنّ من كان من أهل الرحمة والغضب ، توجّهت إليه الرحمة قبل الغضب وسبقته إليه ، كما يدلّ على ذلك إيثار صيغة الاستقبال الدالَّة على التجدّد والاستمرار ، وأنّها سنّته الجارية على مرّ الدهور . العطاء بالمدّ ويقصر : اسم من أعطيته الشيء إذا سمحت له به ، ويطلق على المعطي نفسه أيضا . والمراد هنا المعنى الأوّل ، لمقابلته بالمنع وهو ضدّ العطاء . ولمّا كانت نعم الله تعالى المستفيضة عن جوده وعطائه على خلقه غير منحصرة ولا معدودة ، كما قال سبحانه : « وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها » ( 2 ) ، وكان منعه لا عن بخل ولا ضيق ،
هامش
( 1 ) شرح القيصري علي فصوص الحكم : ص 377 - 378 نقلا بالمعنى . ( 2 ) سورة النحل : الآية : 18 .