وَأَنْتَ الَّذِي عَفْوُهُ أَعْلَى مِنْ عِقَابِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي تَسْعَى رَحْمَتُهُ أَمَامَ غَضَبِه .
شرح
أعلى : أي أغلب ، من علا فلان فلانا بمعنى غلبه وقهره ، ومنه قوله تعالى :
« لا تَخَفْ إنّكَ أنتَ الأعلى » ( 1 ) ، أي : أنت الغالب عليهم والقاهر لهم . ولمّا كان العفو خيرا وهو مطلوب بالذّات ، والعقاب شرّا وهو مطلوب بالعرض ، وما بالذّات راجح غالب ، كان عفوه تعالى أعلى من عقابه .
روي أنّ حبيب بن الحرث قال لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : إني رجل مقراف للذنوب فقال له : فتب إلى الله يا حبيب ، فقال إنّي أتوب ثمّ أعود ، قال :
كلَّما أذنبت فتب ، حتّى قال عفو الله أكثر من ذنوبك يا حبيب ( 2 ) .
وهو نصّ في أنّ الذنوب والمعاصي المقتضية للعقاب والانتقام لا تغلب العفو وإن كثرت ، بل هو غالبها ، فكان عفوه تعالى أعلى من عقابه ، وفي التنزيل : « وما أصابَكُم مِن مُصيبةٍ فبِما كَسَبتْ أيدِيْكُم وَيَعفُو عَن كَثيرٍ » ( 3 ) .
وفي الحديث : ليغفرنّ الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قطَّ على قلب أحد ، حتّى أنّ إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه ( 4 ) .
وسعى يسعى سعيا - من باب أبى - : عدا في مشيه . والأمام بالفتح : نقيض الوراء .
وسعي الرحمة أمام الغضب عبارة عن سبقها له ، كما ورد في دعاء آخر « سبقت رحمتك غضبك » ( 5 ) .
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 608 .
( 2 ) ربيع الأبرار للزمخشري : مخطوط ص 43 باب الجناية والذنوب .
( 3 ) سورة الشورى : الآية 30 .
( 4 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 151 .
( 5 ) صحيح البخاري ج 9 ص 165 وفيه « سبقت رحمتي غضبي » .