أَنْتَ الَّذِي وسِعتَ كلِّ شئ رَحْمَةً وَعِلْما ، وَأَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ في نِعَمِكَ سَهْما .
شرح
التوحيد والعرفان أقرب ، فيقال : إنّ كلّ ما يتصوّر أن يأنس به كلّ ذي وحشة ، ويفرّج به كرب كلّ ذي كرب ، ويغاث به كلّ مخذول ، ويعضد به كلّ طريد ، إنّما هو لمعة من نور رحمته ورشحة من بحار لطفه ورأفته ، إذ ليس في الوجود إلا ذاته وصفاته وآثاره ، فتحقّق أنّه أنس كلّ مستوحش وفرج كلّ مكروب وغوث كلّ مخذول وعضد كلّ مطرود ، والله أعلم .
وسع الإناء المتاع بالكسر يسعه بالفتح : أي اتّسع له .
قال الزمخشري : فإن قلت : تعالى الله عن المكان ، فكيف صحّ أن يقال : وسع كلّ شئ ؟ قلت : الرحمة والعلم اللذان وسعا كلّ شئ في المعنى ، والأصل وسع كلّ شئ رحمتك وعلمك ، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن اسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم ، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم ، كأنّ ذاته رحمة وعلم واسعان كلّ شئ ( 1 ) انتهى .
والمعنى أنّه لا اختصاص لرحمتك بشيء دون شئ ، بل شملت جميع الأشياء ، ولا يختصّ علمك بمعلوم دون آخر ، بل أنت تفسير عالم بكلّ معلوم . وتقديم الرحمة لأنّها المقصودة بالذّات هاهنا ، كما في آية المؤمن المقتبس منها ، وهي قوله تعالى :
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلّ شَئٍ رَحمةً وعِلما » ( 2 ) .
قال أكثر المحقّقين : معنى اتّساع رحمته لكلّ شئ أنّ رحمته تعالى في الدنيا نعمّ الكلّ ، فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص بل ما من مكلَّف وغيره إلا وهو متقلَّب في نعمته ، وأمّا في الآخرة فهي مختصّة بالمؤمنين .
وقيل : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ، ولا حيّ إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 153 .
( 2 ) سورة غافر : الآية : 7 .