وَيا مَن تَحَمّدَ إِلى خَلْقِهِ بِحُسْنِ التّجاوُزِ ، وَيا مَن عَوَّدَ عِبادَهُ قَبُولَ الإنابَةِ ، وَيا مَن استَصْلَحَ فاسِدَهُمْ بِالتّوبَةِ .
شرح
عرضيّ ، فلو لا المعصية والكفر لم يكن غضب ولم يخلق جحيم ، كما دلّ عليه قوله تعالى : وَلا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي ( 1 ) .
تحمّد : هنا بمعنى استحمد ، يدلّ على ذلك قول الزمخشري في الأساس :
استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم ( 2 ) انتهى . وتفعّل ترد بمعنى استفعل في معنى الطلب ، نحو : تنجّزته ، أي : استنجزته إذا طلبت نجازه ، فتحمّد إلى خلقه واستحمد بمعنى طلب إليهم أن يحمدوه ، كما قال تعالى : وقل الحمد لله ( 3 ) واشكروا لي ولا تكفرون ( 4 ) ، وإنّما عدّاه بإلى - والأصل أن يتعدّى بنفسه - لتضمينه معنى خطب ، أي : تحمّدهم خاطبا إليهم حمده .
وأمّا تفسيره بمعنى امتنّ ، كما فعله كثير من المحشّين والمترجمين ، أخذا من قول الجوهري في الصحاح : فلان يتحمّد عليّ ، أي : يمتنّ عليّ ، يقال : من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمّد به على الناس ( 5 ) . انتهى . فليس بصواب وذلك لوجهين :
أحدهما : أنّ التحمّد بمعنى الامتنان إنّما يعدّى بعلى كما هو صريح عبارة الجوهري ، والتحمّد في الدعاء معدّى بإلى فاختلف المعنى . يدلّ على ذلك قول الإمام أبي الفضل الميداني في مجمع الأمثال : قولهم : من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمّد به على الناس ، ويروي إلى الناس ، فمن وصله بعلى أراد فلا يمتنّ به على
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 81 .
( 2 ) أساس البلاغة : ص 140 .
( 3 ) سورة النحل : الآية 93 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 152 .
( 5 ) الصحاح : ص 467 .