وَيا مَن عَفْوهُ أكْثَرُ مِن نِقْمَتِهِ ، وَيا مَن رِضاهُ أوْفَرُ مِن سَخَطِهِ .
شرح
يحيط المحتاجون بمن يقوم بهم ، قال الشاعر :
أخو صبيه شعث يطيف بشخصه * كوالح أمثال اليعاسيب ضمّر
وقال أبو طالب رضي الله عنه في مدحه عليه السلام :
يطيف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
وتفضيله تعالى على غيره في هذه الأفعال من الرحمة والعطف ونحوها إنّما هو بالنظر إلى عادة الناس وضعف عقولهم ، حيث يثبتون أصل تلك الأفعال في الجملة لغيره أيضا ، فينبّهون على الرجوع إليه تعالى بأنّه أكمل فيها من غيره ، لأنّ النفس إلى الأكمل أرغب ، وإلا فلا نسبة بين الخالق والخلق ولا بين فعله وفعلهم حتّى يجري فيه معنى التفضيل . وفر الشيء يفر - من باب وعد - : تمّ وكمل ، ووفرته وفرا - من باب وعد أيضا - : أتممته وأكملته ، يتعدّى ولا يتعدّى ، والمصدر فارق ، ووفر المال - من باب كرم ووعد - وفرا ووفورا : كثر واتّسع فهو وفر ، ويتعدّى هذا بالتثقيل فيقال :
وفّره توفيرا ، وإرادة هذا المعنى هنا أظهر من الأوّل ، أي : يا من رضاه أكثر وأوسع من سخطه .
قيل : وإنّما قدّم ذكر العفو والنقمة على الرضا والسخط لأنّهما من صفات الأفعال كالإحياء والإماتة ، والرضا والسخط من صفات الذات ، وصفات الأفعال أدنى رتبة فترقّى منها إلى الأعلى .
وهذا لا يصحّ على مذهب الإماميّة ، لأنّ الرضا والسخط عندهم من صفات الأفعال أيضا بإجماع منهم ، لأنّهم قالوا : كلّ شيئين متضادّين وصفت الله تعالى بهما وهما في الوجود فهما من صفات الفعل كالعفو والانتقام والرضا