شرح
والسخط ، فإنّه يقال : عفا عمّن تاب ، وانتقم ممّن أصرّ ، ورضي عمّن أطاعه ، وسخط على من عصاه . فالرضا والسخط من صفات الفعل لا من صفات الذات ، لأنّه لا يجوز وصفه تعالى بصفات الذات وبضدّها ، فلا يجوز أن يقال مثلا : هو عالم وجاهل وقادر وعاجز .
والحاصل : أنّ كلّ صفة توجد فيه سبحانه دون نقيضها فهي من الصفات الذاتية ، وكلّ صفة توجد فيه مع نقيضها فهي من الصفات الفعليّة ، فلا يصحّ التوجيه المذكور على مذهبنا .
نعم قد يراد بالرضا العلم الأزلي بالخيرات وبإفاضتها في أوقاتها ، فيكون من صفاته الذاتية التي لا تفارق الذات في مرتبتها ، لكنّ هذا المعنى غير مراد هنا ، بل المراد من الرضا نفس الفعل الذي هو الإحسان والإكرام ، لمقابلته بالسخط الذي هو العقوبة والانتقام ، فتعيّن كونه من صفات الفعل .
والصواب في توجيه تقديم العفو في الذكر على الرضا وإن كان كلاهما من صفات الفعل : أنّ العفو أدنى رتبة من الرضا ، لأنّ الرضا يستلزم العفو من غير عكس ، إذ قد يعفو السيّد عن عبده وليس عنه براض ، فكان ذكره للعفو ثمّ الرضا من باب الترقّي من الأدنى إلى الأعلى .
قالوا : ومعنى كون عفوه أكثر من نقمته ورضاه أوفر من سخطه ، أنّ تعلَّق إرادته بإيصال الرحمة أكثر من تعلَّقها بإيصال العقوبة ، فإنّ الأوّل من مقتضيات صفته ، والغضب باعتبار المعصية ، كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ( 1 ) ، فالرحمة ذاتية والغضب
هامش
( 1 ) سورة الشورى : الآية 30 .