تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
تَلَقّاكَ بِالإنابَةِ وَأخْلَصَ لَكَ التّوبَةَ .
شرح
وقيل : من حاص الحمار إذا عدل بالفرار ، وهو إمّا اسم مكان كالمبيت والمصيف ، أو مصدر كالمغيب والمشيب ، ومثله المهرب . وقوله : « منك وعنك » أي : من أمرك وعن أمرك ، والمراد به الموت . فإن قلت : ألم يكن موقنا قبل ذلك بأنّه لا محيص ولا مهرب له عنه حتّى جعل إيقانه شرطا حاصلا لتلقّيه تعالى بالإنابة ، كما يقتضيه العطف على الجملة الشرطيّة ، فيكون قد حصل له الإيقان بعد أن لم يكن ؟ قلت : المراد أنّه أيقن بحلول الموت به عند إدبار أيّامه وتولَّيها ، كما رأى أنّ مدّة العمل قد انقضت وغاية العمر قد انتهت ، فتحقّق أنّه لا محيص ولا مهرب له عنه ، بتأميل فسحة في الأجل ورجاء نفس في العمر ، أو أنّ نفسه قد استسلمت لحلوله بها فلم يكن لها نفرة ولا مهرب عنه ، كما هو شأن المستسلم . وأمّا قبل ذلك فإنّه كان موقنا بأنّه سيحلّ به الموت ، إلا أنّه كان يؤمّل الحياة ويرجو البقاء بعد ، فكان ذلك كالمحيص والمهرب له عن حلوله ، أو أنّ نفسه كانت تحيد وتهرب نفرة عنه بحسب الطبع ، كما قال تعالى : وَجاءت سكرة الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحيد ( 1 ) ، أي : تنفر وتهرب ، والخطاب فيه للإنسان ، فإنّ النفرة عنه شاملة لكلّ فرد من أفراده طبعا ، والله أعلم . تلقّاه : استقبله ، أي : وجّه وجهه تلقاءه وقبله . والإنابة : الرجوع إلى الله بالتوبة من أناب إذا أقبل ورجع . وأخلص لله العمل : لم يراء فيه من أخلص الماء من الكدر إذا صفا ،
هامش
( 1 ) سورة ق : الآية 19 .