تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
شرح
تركه ، فاللائق بحال الذاكر أن يحضر قلبه حينئذ رغما للشيطان ، وإن لم يحضره فاللائق به أن لا يترك الذكر باللسان رغما لأنفه ، وأن يجيبه بأنّ اللسان آلة للذكر كالقلب ولا يترك أحدهما بترك الآخر ، فإنّ لكلّ عضو عبادة . الثانية : الذكر بالقلب مع عدم استقراره فيه ، ولا يتوجّه إليه إلا بالتكلَّف والاجتهاد . والثالثة : أن يكون بالقلب ويستقرّ فيه ، بحيث لا يتوجّه القلب إلى غيره إلا بالتكلف . والرابعة : أن يكون بالقلب مع استقراره فيه واستيلائه عليه بحيث لا يشغل عنه أصلا ، وهذه مرتبة المحبّة . والذاكر في هذه المرتبة قد يبلغ مقام الفناء في الله ، بحيث يغفل عن نفسه وعن غيرها حتّى عن الذكر فلا يجد في نفسه إلا المذكور . قال بعض العارفين : اعلم أنّ الذكر القلبي من أعظم علامات المحبّة ، لأنّ من أحبّ أحدا ذكره دائما أو غالبا ، وأنّ أصل الذكر عند الطاعة والمعصية سبب لفعل الطاعة وترك المعصية ، وهما سببان لزيادة الذكر ورسوخه ، وهكذا يتبادلان إلى أن يستولي المذكور وهو الله سبحانه على القلب ويتجلَّى فيه ، فالذاكر حينئذ يحبّه حبّا شديدا ويغفل عن جميع ما سواه حتّى نفسه ، إذ الحبّ المفرط يمنع عن مشاهدة غير المحبوب . وهذا المقام يسمّى مقام الفناء في الله ، والواصل إلى هذا المقام لا يرى في الوجود إلا هو ، وهذا معنى وحدة الوجود ، لا بمعنى أنّه تعالى متّحد مع الكلّ لأنّه محال وزندقة ، بل بمعنى أنّ الموجود في نظر الفاني هو لا غيره ، لأنّه تجاوز عن عالم الكثرة وجعله وراء ظهره وغفل عنه ، فافهم . انتهى .